الرسالة الأولى كيفية صلاة النبي صلى الله عليه وسلم
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد، وآله وصحبه، أما بعد:
فهذه كلمات موجزة في بيان صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم أردت تقديمها إلى كل مسلم ومسلمة؛ ليجتهد كل من يطلع عليها في التأسي به صلى الله عليه وسلم في ذلك، لقوله صلى الله عليه وسلم: صلوا كما رأيتموني أصلي رواه البخاري. وإلى القارئ بيان ذلك:
1- يسبغ الوضوء: وهو أن يتوضأ كما أمره الله؛ عملا بقوله سبحانه وتعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة: 6] ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول رواه مسلم في صحيحه، وقوله صلى الله عليه وسلم للذي أساء صلاته: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء
2- يتوجه المصلي إلى القبلة- وهي: الكعبة- أينما كان، بجميع بدنه، قاصدا بقلبه فعل الصلاة التي يريدها من فريضة أو نافلة، ولا ينطق بلسانه بالنية؛ لأن النطق باللسان غير مشروع، بل هو بدعة؛ لكون النبي صلى الله عليه وسلم لم ينطق بالنية، ولا أصحابه رضي الله عنهم، ويسن أن يجعل له سترة يصلي إليها إن كان إماما أو منفردا؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.
واستقبال القبلة شرط في الصلاة إلا في مسائل مستثناة معلومة، موضحة في كتب أهل العلم.
3- يكبر تكبيرة الإحرام قائلا: (الله أكبر) ناظرا ببصره إلى محل سجوده.
4- يرفع يديه عند التكبيرة إلى حذو منكبيه، أو إلى حيال أذنيه.
5- يضع يديه على صدره، اليمنى على كفه اليسرى والرسغ والساعد؛ لثبوت ذلك من حديث وائل بن حجر، وقبيصة بن هلب الطائي، عن أبيه رضي الله عنهما.
6- يسن أن يقرأ دعاء الاستفتاح، وهو: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي
الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وإن شاء قال بدلا من ذلك:
سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن أتى بغيرهما من الاستفتاحات الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا بأس، والأفضل: أن يفعل هذا تارة وهذا تارة؛ لأن ذلك أكمل في الاتباع، ثم يقول: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم) ويقرأ سورة الفاتحة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ويقول بعدها: (آمين) جهرا في الصلاة الجهرية، وسرا في السرية، ثم يقرأ ما تيسر من القرآن، والأفضل: أن تكون القراءة في الظهر والعصر والعشاء من أوساط المفصل، وفي الفجر من طواله، وفي المغرب من قصاره، وفي بعض الأحيان من طواله، أو أوساطه - أعني: في المغرب- كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويشرع أن تكون العصر أخف من الظهر.
7- يركع مكبرا رافعا يديه إلى حذو منكبيه أو أذنيه، جاعلا رأسه حيال ظهره، واضعا يديه على ركبتيه، مفرقا أصابعه، ويطمئن في ركوعه ويقول: (سبحان ربي العظيم)، والأفضل: أن يكررها ثلاثا أو أكثر، ويستحب أن يقوله مع ذلك: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي).
8- يرفع رأسه من الركوع، رافعا يديه إلى حذو منكبيه أو أذنيه، قائلا: (سمع الله لمن حمده)، إن كان إماما أو منفردا، ويقول حال قيامه: ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء
بعد
وإن زاد بعد ذلك: أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد فهو حسن؛ لأن ذلك قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأحاديث الصحيحة. أما إن كان مأموما فإنه يقول عند الرفع: (ربنا ولك الحمد)... إلى آخر ما تقدم. ويستحب أن يضع كل منهم يديه على صدره، كما فعل في قيامه قبل الركوع؛ لثبوت ما يدل على ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث وائل بن حجر، وسهل بن سعد رضي الله عنهما.
9- يسجد مكبرا واضعا ركبتيه قبل يديه، إذا تيسر ذلك، فإن شق عليه قدم يديه قبل ركبتيه، مستقبلا بأصابع رجليه ويديه القبلة ضامًّا أصابع يديه، ويكون على أعضائه السبعة: الجبهة مع الأنف، واليدين، والركبتين، وبطون أصابع الرجلين، ويقول: (سبحان ربي الأعلى) ويكرر ذلك ثلاثا أو أكثر، ويستحب أن يقول مع ذلك: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي)، ويكثر من الدعاء؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:
فأما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم وقوله صلى الله عليه وسلم: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء رواهما مسلم في صحيحه، ويسأل ربه له ولغيره من المسلمين من خيري الدنيا والآخرة، سواء كانت الصلاة فرضا أو نفلا، ويجافي عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه، ويرفع ذراعيه عن الأرض؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب متفق عليه.
10- يرفع رأسه مكبرا، ويفرش قدمه اليسرى ويجلس عليها، وينصب رجله اليمنى، ويضع يديه على فخذيه وركبتيه، ويقول: (رب اغفر لي، رب اغفر لي، رب اغفر لي، اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وارزقني، وعافني، واجبرني)، ويطمئن في هذا الجلوس حتى يرجع كل فقار إلى مكانه، كاعتداله بعد الركوع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطيل اعتداله بعد الركوع، وبين السجدتين.
11- يسجد السجدة الثانية مكبرا، ويفعل فيها كما فعل في السجدة الأولى.
12- يرفع رأسه مكبرا، ويجلس جلسة خفيفة مثل جلوسه بين السجدتين، وتسمى: جلسة الاستراحة، وهي مستحبة في أصح قولي العلماء، وإن تركها فلا حرج ، وليس فيها ذكر ولا دعاء.
ثم ينهض قائما إلى الركعة الثانية معتمدا على ركبتيه إن تيسر ذلك، وإن شق عليه اعتمد على الأرض بيديه، ثم يقرأ الفاتحة وما تيسر له من القرآن بعد الفاتحة، كما سبق في الركعة الأولى، ثم يفعل كما فعل في الركعة الأولى، ولا يجوز للمأموم مسابقة إمامه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حذر أمته من ذلك، وتكره موافقته للإمام، والسنة له: أن تكون أفعاله بعد إمامه من دون تراخ، وبعد انقطاع صوته؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:
إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد وإذا سجد فاسجدوا الحديث متفق عليه.
13- إذا كانت الصلاة ثنائية - أي: ركعتين؛ كصلاة الفجر، والجمعة، والعيد - جلس بعد رفعه من السجدة الثانية ناصبا رجله اليمنى، مفترشا رجله اليسرى، واضعا يده اليمنى على فخذه اليمنى، قابضا أصابعه كلها إلا السبابة، فيشير بها إلى التوحيد عند ذكر الله سبحانه، وعند الدعاء، وإن قبض الخنصر والبنصر من يده اليمنى، وحلق إبهامها مع الوسطى وأشار بالسبابة فحسن؛ لثبوت الصفتين عن النبي صلى الله عليه وسلم، والأفضل: أن يفعل هذا تارة وهذا تارة، ويضع يده اليسرى على فخذه اليسرى وركبته، ثم يقرأ التشهد في هذا الجلوس، وهو:
(التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله)، ثم يقول: (اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد).
ويستعيذ بالله من أربع فيقول: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال)، ثم يدعو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة، وإذا دعا لوالديه أو غيرهما من المسلمين فلا بأس، سواء كانت الصلاة فريضة، أو نافلة؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود لما علمه التشهد: ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو وفي لفظ آخر: ثم يتخير من المسألة ما شاء وهذا يعم جميع ما ينفع العبد في الدنيا والآخرة، ثم يسلم عن يمينه وشماله، قائلا: (السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله).
14- إن كانت الصلاة ثلاثية- كالمغرب- أو رباعية- كالظهر والعصر والعشاء- فإنه يقرأ التشهد المذكور آنفا، مع الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ينهض قائما معتمدا على ركبتيه، رافعا يديه إلى حذو منكبيه، قائلا: (الله أكبر)، ويضعهما- أي: يديه- على صدره، كما تقدم، ويقرأ الفاتحة فقط، وإن قرأ في الثالثة والرابعة من الظهر زيادة عن الفاتحة في بعض الأحيان فلا بأس؛ لثبوت ما يدل على ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي سعيد رضي الله عنه، وإن ترك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التشهد الأول فلا بأس؛ لأنه مستحب وليس بواجب في التشهد الأول، ثم يتشهد بعد الثالثة من المغرب، وبعد الرابعة من الظهر والعصر والعشاء، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويتعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال، ويكثر من الدعاء.
ومن الدعاء المشروع في هذا الموضع وغيره: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ لما ثبت عن أنس رضي الله عنه قال: كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ
النَّارِ كما تقدم ذلك في الصلاة الثنائية، لكن يكون في هذا الجلوس متوركا، واضعا رجله اليسرى تحت رجله اليمنى، ومقعدته على الأرض، ناصبا رجله اليمنى؛ لحديث أبي حميد في ذلك، ثم يسلم عن يمينه وشماله قائلا:
(السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله) ويستغفر الله ثلاثا، ويقول: (اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون)، ويسبح الله ثلاثا وثلاثين، ويحمده مثل ذلك، ويكبره مثل ذلك، ويقول تمام المائة: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير)، ويقرأ (آية الكرسي) و (قل هو الله أحد) و (قل أعوذ برب الفلق) و (قل أعوذ برب الناس) بعد كل صلاة، ويستحب تكرار هذه السور الثلاث، ثلاث مرات: بعد صلاة الفجر، وصلاة المغرب؛ لورود الحديث الصحيح بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما يستحب أن يزيد بعد الذكر المتقدم بعد صلاة الفجر وصلاة المغرب قول:
لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير عشر مرات؛ لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. وإن كان إماما انصرف إلى الناس وقابلهم بوجهه بعد استغفاره ثلاثا، وبعد قوله: (اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام).
ثم يأتي بالأذكار المذكورة؛ كما دل على ذلك أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، منها حديث عائشة رضي الله عنها في صحيح مسلم، وكل هذه الأذكار سنة وليست بفريضة.
ويستحب لكل مسلم ومسلمة أن يصلي: قبل صلاة الظهر أربع ركعات، وبعدها ركعتين، وبعد صلاة المغرب ركعتين، وبعد صلاة العشاء ركعتين، وقبل صلاة الفجر ركعتين، الجميع اثنتا عشرة ركعة، وهذه الركعات تسمى: الرواتب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحافظ عليها في الحضر، أما في السفر فكان يتركها إلا سنة الفجر والوتر، فإنه كان عليه الصلاة والسلام يحافظ عليهما حضرا وسفرا، ولنا فيه أسوة حسنة؛ لقول الله سبحانه: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: 21]، وقوله عليه الصلاة والسلام: صلوا كما رأيتموني أصلي رواه البخاري.
والأفضل: أن تصلي هذه الرواتب والوتر في البيت، فإن صلاها في المسجد فلا بأس؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة متفق على صحته.
والمحافظة على هذه الركعات من أسباب دخول الجنة؛ لما ثبت في صحيح مسلم، عن أم حبيبة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعا غير فريضة إلا بنى الله له بيتا في الجنة وقد فسرها الإمام الترمذي في روايته لهذا الحديث بما ذكرنا.
وإن صلى أربع ركعات قبل صلاة العصر، واثنتين قبل صلاة المغرب، واثنتين قبل صلاة العشاء فحسن؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: رحم الله امرأ صلى أربعا قبل العصر رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، وابن خزيمة وصححه، وإسناده صحيح، ولقوله عليه الصلاة والسلام: بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة ثم قال في الثالثة لمن شاء رواه البخاري.
وإن صلى أربعا بعد الظهر وأربعا قبلها فحسن؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: من حافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعدها حرَّمه الله تعالى على النار رواه الإمام أحمد، وأهل السنن بإسناد صحيح، عن أم حبيبة رضي الله عنها.
والمعنى: أنه يزيد على السنة الراتبة ركعتين بعد الظهر؛ لأن السنة الراتبة أربع قبلها واثنتان بعدها، فإذا زاد ثنتين بعدها حصل ما ذكر في حديث أم حبيبة رضي الله عنها.
والله ولي التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
عبد العزيز بن عبد الله بن باز، إلى من يراه من المسلمين، وفقهم الله لما فيه رضاه، ونظمني وإياهم في سلك من خافه واتقاه، آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
فقد بلغني أن كثيرا من الناس قد يتهاونون بأداء الصلاة في الجماعة ويحتجون بتسهيل بعض العلماء في ذلك- فوجب علي أن أبين عظم هذا الأمر وخطورته، ولا شك أن ذلك منكر عظيم وخطره جسيم، فالواجب على أهل العلم التنبيه على ذلك والتحذير منه؛ لكونه منكرا ظاهرا لا يجوز السكوت عليه.
ومن المعلوم أنه لا ينبغي للمسلم أن يتهاون بأمر عظَّم الله شأنه في كتابه العظيم، وعظَّم شأنه رسوله الكريم، عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم. ولقد أكثر الله سبحانه من ذكر الصلاة في كتابه الكريم، وعظم شأنها، وأمر بالمحافظة عليها وأدائها في الجماعة، وأخبر أن التهاون بها والتكاسل عنها من صفات المنافقين، فقال تعالى في كتابه المبين:
حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [ البقرة: 128]. وكيف يعرف الناس محافظة العبد عليها، وتعظيمه لها، وقد تخلف عن أدائها مع إخوانه وتهاون بشأنها؟!، وقال تعالى:
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة: 43]، وهذه الآية الكريمة نص في وجوب الصلاة في الجماعة، والمشاركة للمصلين في صلاتهم، ولو كان المقصود إقامتها فقط لم تظهر مناسبة واضحة في ختم الآية بقوله سبحانه:
وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ لكونه قد أمر بإقامتها أول الآية، وقال تعالى:
وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ الآية [النساء: 102].
فأوجب سبحانه أداء الصلاة في الجماعة في حال الحرب، وشدة الخوف فكيف بحال السلم؟! ولو كان أحد يسامح في ترك الصلاة في جماعة، لكان المصافون للعدو، المهددون بهجومه عليهم أولى بأن يسمح لهم في ترك الجماعة، فلما لم يقع ذلك، علم أن أداء الصلاة في جماعة من أهم الواجبات، وأنه لا يجوز لأحد التخلف عن ذلك.
وفي الصحيحين، عن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار الحديث، وفي مسند الإمام أحمد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: لولا ما في البيوت من النساء والذرية لحرقتها عليهم وفي صحيح مسلم، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال:
لقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق قد علم نفاقه أو مريض إن كان المريض ليمشي بين رجلين حتى يأتي الصلاة وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا سنن الهدى وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه وفيه أيضا عنه قال: من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هذه الصلوات حيث ينادى بهن فإن الله شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ويرفعه بها درجة ويحط عنه بها سيئة ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف وفي صحيح مسلم أيضا، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رجلا أعمى قال يا رسول الله إنه ليس لي قائد يلائمني إلى المسجد فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال نعم قال فأجب وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر قيل لابن عباس رضي الله عنهما: ما هو العذر؟ قال.: خوف أو مرض.
والأحاديث الدالة على وجوب الصلاة في الجماعة، وعلى وجوب إقامتها في بيوت الله التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه - كثيرة جدا، فالواجب على كل مسلم العناية بهذا الأمر، والمبادرة إليه، والتواصي به مع أبنائه وأهل بيته وجيرانه وسائر إخوانه المسلمين؛ امتثالا لأمر الله ورسوله، وحذرا مما نهى الله عنه ورسوله، وابتعادا عن مشابهة أهل النفاق الذين وصفهم الله بصفات ذميمة، من أخبثها تكاسلهم عن الصلاة، فقال تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلًا مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا [النساء: 142، 143].
ولأن التخلف عن أدائها في الجماعة من أعظم أسباب تركها بالكلية. ومعلوم أن ترك الصلاة كفر وضلال وخروج عن دائرة الإسلام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:
بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة خرجه مسلم في صحيحه، عن جابر رضي الله عنه، وقال صلى الله عليه وسلم: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر رواه الإمام أحمد، وأصحاب السنن الأربع بإسناد صحيح.
والآيات والأحاديث في تعظيم شأن الصلاة، ووجوب المحافظة عليها وإقامتها كما شرع الله والتحذير من تركها- كثيرة ومعلومة.
فالواجب على كل مسلم أن يحافظ عليها في أوقاتها، وأن يقيمها كما شرع الله، وأن يؤديها مع إخوانه في الجماعة في بيوت الله؛ طاعة لله سبحانه ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وحذرا من غضب الله وأليم عقابه.
ومتى ظهر الحق واتضحت أدلته، لم يجز لأحد أن يحيد عنه لقول فلان أو فلان؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: 59]، ويقول سبحانه: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
[النور: 63].
ولا يخفى ما في الصلاة في الجماعة من الفوائد الكثيرة، والمصالح الجمة، ومن أوضح ذلك التعارف، والتعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والصبر عليه، وتشجيع المتخلف، وتعليم الجاهل، وإغاظة أهل النفاق، والبعد عن سبيلهم، وإظهار شعائر الله بين عباده، والدعوة إليه سبحانه بالقول والعمل، إلى غير ذلك من الفوائد الكثيرة. ومن الناس من قد يسهر بالليل ويتأخر عن صلاة الفجر، وبعضهم يتخلف عن صلاة العشاء، ولا شك أن ذلك منكر عظيم وتشبه بأعداء الدين المنافقين الذين قال الله فيهم سبحانه:
إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا [النساء: 145]، وقال فيهم عز وجل: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [التوبة: 67،68]، وقال سبحانه في حقهم: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلا وَهُمْ كَارِهُونَ فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة: 54،55].
فيجب على كل مسلم ومسلمة الحذر من مشابهة هؤلاء المنافقين في أعمالهم وأقوالهم وفي تثاقلهم عن الصلاة وتخلفهم عن صلاة الفجر والعشاء حتى لا يحشر معهم، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا متفق على صحته، وقال صلى الله عليه وسلم: من تشبه بقوم فهو منهم رواه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بإسناد حسن.
وفقني الله وإياكم لما فيه رضاه وصلاح أمر الدنيا والآخرة، وأعاذنا جميعا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ومن مشابهة الكفار والمنافقين، إنه جواد كريم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه
الرسالة الثالثة أين يضع المصلي يديه بعد الرفع من الركوع ؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه، أما بعد:
فقد كثر السؤال من الداخل والخارج عن موضع اليدين إذا رفع المصلي رأسه من الركوع - فرأيت أن أجيب عن ذلك جوابا مبسوطا بعض البسط؛ نصحا للمسلمين، وإيضاحا للحق، وكشفا للشبهة، ونشرا للسنة، فأقول:
قد دلت السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه كان يقبض بيمينه على شماله إذا كان قائما في الصلاة، كما دلت على أنه كان عليه الصلاة والسلام يأمر بذلك.
قال الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه: (باب وضع اليمنى على اليسرى) حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: كان الناس يُؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة قال أبو حازم: لا أعلمه إلا ينمي ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم). انتهى المقصود.
ووجه الدلالة من هذا الحديث الصحيح على شرعية وضع اليمين على الشمال حال قيام المصلي في الصلاة قبل الركوع وبعده: أن سهلا أخبر أن الناس كانوا يُؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة، ومعلوم أن السنة للمصلي في حال الركوع: أن يضع كفيه على ركبتيه، وفي حال السجود: أن يضعهما على الأرض حيال منكبيه أو حيال أذنيه، وفي حال الجلوس بين السجدتين وفي التشهد: أن يضعهما على فخذيه وركبتيه على التفصيل الذي أوضحته السنة في ذلك، فلم يبق إلا حال القيام، فعلم أنه المراد من حديث سهل.
وبذلك يتضح أن المشروع للمصلي في حال قيامه في الصلاة أن يضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى، سواء كان ذلك في القيام قبل الركوع أو بعده؛ لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم - فيما نعلم- التفريق بينهما، ومن فرق فعليه الدليل، وقد ثبت في حديث وائل بن حُجْر عند النسائي بإسناد صحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا كان قائما في الصلاة قبض بيمينه على شماله وفي رواية له أيضا ولأبي داود بإسناد صحيح: عن وائل أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم بعدما كبر للإحرام وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد وهذا صريح صحيح في وضع المصلي حال قيامه في الصلاة كفه اليمنى على كفه اليسرى والرسغ والساعد، وليس فيه تفريق بين القيام الذي قبل الركوع والذي بعده، فاتضح بذلك شمول هذا الحديث للحالين جميعا، وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح على ترجمة البخاري المذكورة آنفا ما نصه: قوله:
(باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة) أي: في حال القيام، قوله: (كان الناس يُؤمرون) هذا حكمه الرفع؛ لأنه محمول على أن الآمر لهم بذلك هو النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي، قوله: (على ذراعه) أبهم موضعه من الذراع، وفي حديث وائل عند أبي داود والنسائي ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد وصححه ابن خزيمة وغيره، وأصله في صحيح مسلم بدون الزيادة، والرسغ: بضم الراء وسكون السين المهملة بعدها معجمة، هو المفصل بين الساعد والكف، وسيأتي أثر علي نحوه في أواخر الصلاة، ولم يذكر أيضا محلهما من الجسد، وقد روى ابن خزيمة من حديث وائل (أنه وضعهما على صدره)، والبزار (عند صدره)، وعند أحمد في حديث هُلْب الطائي نحوه، وهُلْب بضم الهاء، وسكون اللام بعدها موحدة، وفي زيادات المسند من حديث علي أنه وضعهما تحت السرة، وإسناده ضعيف، واعترض الداني في أطراف الموطأ، فقال هذا معلوم؛ لأنه ظن من أبي حازم، ورُدَّ: بأن أبا حازم لو لم يقل: (لا أعلمه... إلخ) لكان في حكم المرفوع؛ لأن قول الصحابي: (كنا نؤمر بكذا) يصرف بظاهره إلى من له الأمر، وهو النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الصحابي في مقام تعريف الشرع، فيحمل على من صدر عنه الشرع، ومثله قول عائشة: كنا نؤمر بقضاء الصوم فإنه محمول على أن الآمر بذلك هو النبي صلى الله عليه وسلم، وأطلق البيهقي: أنه لا خلاف في ذلك بين أهل النقل. والله أعلم.
وقد ورد في سنن أبي داود، والنسائي، وصحيح ابن السكن شيء يستأنس به على تعيين الآمر والمأمور، فروي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: رآني النبي صلى الله عليه وسلم واضعا يدي اليسرى على يدي اليمنى فنزعها ووضع اليمنى على اليسرى إسناده حسن، قيل: لو كان مرفوعا ما احتاج أبو حازم إلى قوله: (لا أعلمه... إلخ)، والجواب: أنه أراد الانتقال إلى التصريح فالأول لا يقال له مرفوع، وإنما يقال: له حكم الرفع.
قال العلماء: الحكمة في هذه الهيئة أنه صفة السائل الذليل، وهو أمنع من العبث وأقرب إلى الخشوع، وكأن البخاري رحمه الله لحظ ذلك، فعقبه بباب الخشوع، ومن اللطائف قول بعضهم: القلب موضع النية، والعادة أن من احترز على حفظ شيء جعل يديه عليه.
قال ابن عبد البر: (لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه خلاف)، وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين، وهو الذي ذكره مالك في الموطأ، ولم يحك ابن المنذر وغيره عن مالك غيره، وروى ابن القاسم عن مالك الإرسال، وصار إليه أكثر أصحابه، وعنه التفرقة بين الفريضة والنافلة، ومنهم من كره الإمساك، ونقل ابن الحاجب أن ذلك حيث يمسك
متعمدا لقصد الراحة) انتهى المقصود من كلام الحافظ، وهو كاف شاف في بيان ما ورد في هذه المسألة، وفيما نقله عن الإمام ابن عبد البر الدلالة على أن قبض الشمال باليمين حال القيام في الصلاة هو قول أكثر العلماء، ولم يفرق ابن عبد البر رحمه الله بين الحالين، وأما ما ذكره الإمام الموفق في المغني، وصاحب الفروع، وغيرهما عن الإمام أحمد رحمه الله أنه رأى تخيير المصلي بعد الرفع من الركوع بين الإرسال والقبض فلا أعلم له وجها شرعيا، بل ظاهر الأحاديث الصحيحة المتقدم ذكرها يدل على أن السنة القبض في الحالين، وهكذا ما ذكره بعض الحنفية من تفضيل الإرسال في القيام بعد الركوع لا وجه له؛ لكونه مخالفا للأحاديث السابقة، والاستحسان إذا خالف الأحاديث لا يعول عليه، كما نص عليه أهل العلم.
أما ما نقله ابن عبد البر عن أكثر المالكية من تفضيل الإرسال فمراده في الحالين - أعني: قبل الركوع وبعده- ولا شك أن هذا القول مرجوح مخالف للأحاديث الصحيحة، ولما عليه جمهور أهل العلم كما سلف ، وقد دل حديث وائل بن حجر، وحديث هلب الطائي على أن الأفضل وضع اليدين على الصدر حال القيام في الصلاة ، وقد ذكرهما الحافظ، كما تقدم، وهما حديثان جيدان لا بأس بإسنادهما، أخرج الأول- أعني: حديث وائل- الإمام ابن خزيمة رحمه الله وصححه، كما ذكره العلامة الشوكاني في (النيل)، وأخرج الثاني- أعني: حديث هلب- الإمام أحمد رحمه الله بإسناد حسن، وأخرج أبو داود رحمه الله، عن طاوس، عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يوافق حديث وائل وهلب، وهو مرسل جيد، فإن قلت: قد روى أبو داود عن علي رضي الله عنه: أن السنة وضع اليدين تحت السرة
الجواب: أنه حديث ضعيف كما صرح بذلك الحافظ ابن حجر كما تقدم في كلامه رحمه الله، وسبب ضعفه: أنه من رواية عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي، ويقال: الواسطي، وهو ضعيف عند أهل العلم لا يحتج بروايته، ضعفه الإمام أحمد، وأبو حاتم، وابن معين، وغيرهم، وهكذا حديث أبي هريرة عند أبي داود مرفوعا أخذ الأكف على الأكف في الصلاة تحت السرة لأن في إسناده عبد الرحمن بن إسحاق المذكور، وقد عرفت حاله، وقال الشيخ أبو الطيب محمد شمس الحق في (عون المعبود شرح سنن أبي داود)- بعد كلام سبق- ما نصه: (فمرسل طاوس، وحديث هلب، وحديث وائل بن حجر تدل على استحباب وضع اليدين على الصدر، وهو الحق، وأما الوضع تحت السرة أو فوق السرة فلم يثبت فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث) انتهى.
والأمر كما قال رحمه الله؛ للأحاديث المذكورة.
فإن قيل: قد ذكر الشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني في حاشية كتابه: (صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم) ص (145) من الطبعة السادسة ما نصه:
(ولست أشك في أن وضع اليدين على الصدر في هذا القيام- يعني بذلك: القيام بعد الركوع- بدعة ضلالة؛ لأنه لم يرد مطلقا في شيء من أحاديث الصلاة وما أكثرها، ولو كان له أصل لنقل إلينا ولو عن طريق واحد، ويؤيده أن أحدا من السلف لم يفعله ولا ذكره أحد من أئمة الحديث فيما أعلم) انتهى.
والجواب عن ذلك أن يقال: نعم، قد ذكر أخونا العلامة الشيخ ناصر الدين في حاشية كتابه المذكور ما ذكر.
والجواب عنه من وجوه:
الأول: أن جزمه بأن وضع اليمنى على اليسرى في القيام بعد الركوع بدعة ضلالة، خطأ ظاهر لم يسبقه إليه أحد فيما نعلم من أهل العلم، وهو مخالف للأحاديث الصحيحة المتقدم ذكرها، ولست أشك في علمه وفضله وسعة اطلاعه وعنايته بالسنة، زاده الله علما وتوفيقا، ولكنه قد غلط في هذه المسألة غلطا بينا، وكل عالم يؤخذ من قوله ويترك، كما قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله: (ما منا إلا راد ومردود عليه، إلا صاحب هذا القبر) يعني: النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا قال أهل العلم قبله وبعده، وليس ذلك يغض من أقدارهم، ولا يحط من منازلهم، بل هم في ذلك بين أجر وأجرين، كما صحت بذلك السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حكم المجتهد: إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر.
الوجه الثاني: أن من تأمل الأحاديث السالفة: حديث سهل، وحديث وائل بن حجر، وغيرهما اتضح له دلالتها على شرعية وضع اليمنى على اليسرى في حال القيام في الصلاة قبل الركوع وبعده؛ لأنه لم يذكر فيها تفصيل، والأصل عدمه.
ولأن في حديث سهل الأمر بوضع اليمنى على ذراع اليسرى في الصلاة، ولم يبين محله من الصلاة، فإذا تأملنا ما ورد في ذلك اتضح لنا: أن السنة في الصلاة وضع اليدين في حال الركوع على الركبتين، وفي حال السجود على الأرض، وفي حال الجلوس على الفخذين والركبتين، فلم يبق إلا حالة القيام، فعلم أنها المرادة في حديث سهل وهذا واضح جدا.
أما حديث وائل ففيه التصريح من وائل رضي الله عنه بأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقبض بيمينه على شماله إذا كان قائما في الصلاة خرجه النسائي بإسناد صحيح، وهذا اللفظ من وائل يشمل القيامين بلا شك، ومن فرق بينهما فعليه الدليل، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في أول هذا المقال.
الوجه الثالث: أن العلماء ذكروا: أن من الحكمة في وضع اليمين على الشمال أنه أقرب إلى الخشوع والتذلل وأبعد عن العبث، كما سبق في كلام الحافظ ابن حجر، وهذا المعنى مطلوب للمصلي قبل الركوع وبعده، فلا يجوز أن يفرق بين الحالين إلا بنص ثابت يجب المصير إليه.
أما قول أخينا العلامة: (إنه لم يرد مطلقا في شيء من أحاديث الصلاة وما أكثرها، ولو كان له أصل لنقل إلينا ولو عن طريق واحد).
فجوابه: أن يقال: ليس الأمر كذلك، بل قد ورد ما يدل عليه من حديث سهل ووائل وغيرهما، كما تقدم، وعلى من أخرج القيام بعد الركوع من مدلولها الدليل الصحيح المبين لذلك، وأما قوله وفقه الله: (ويؤيده أن أحدا من السلف لم يفعله ولا ذكره أحد من أئمة الحديث فيما أعلم).
فجوابه: أن يقال: هذا غريب جدا، وما الذي يدلنا على أن أحدا من السلف لم يفعله؟ بل الصواب: أن ذلك دليل على أنهم كانوا يقبضون في حال القيام بعد الركوع، ولو فعلوا خلاف ذلك لنقل؛ لأن الأحاديث السالفة تدل على شرعية القبض حال القيام في الصلاة، سواء كان قبل الركوع أو بعده، وهو مقتضى ترجمة الإمام البخاري رحمه الله التي ذكرناها في أول هذا المقال، كما أن ذلك هو مقتضى كلام الحافظ ابن حجر عليها، ولو أن أحدا من السلف فعل خلاف ذلك لنقل إلينا، وأكبر من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنه أنه أرسل يديه حال قيامه من الركوع، ولو فعل ذلك لنقل إلينا، كما نقل الصحابة رضي الله عنهم ما هو دون ذلك من أقواله وأفعاله عليه الصلاة والسلام، وسبق في كلام ابن عبد البر رحمه الله أنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف القبض، وأقره الحافظ، ولا نعلم عن غيره خلافه.
فاتضح بما ذكرنا أن ما قاله أخونا فضيلة الشيخ محمد ناصر الدين في هذه المسألة حجة عليه لا له عند التأمل والنظر ومراعاة القواعد المتبعة عند أهل العلم، فالله يغفر لنا وله، ويعاملنا جميعا بعفوه، ولعله بعد اطلاعه على ما ذكرنا في هذه الكلمة يتضح له الحق فيرجع إليه، فإن الحق ضالة المؤمن متى وجدها أخذها، وهو بحمد الله ممن ينشد الحق ويسعى إليه ويبذل جهوده الكثيرة في إيضاحه والدعوة إليه.
تنبيه هام [في قبض الشمال باليمين ووضعهما على الصدر أو غيره]
ينبغي أن يعلم أن ما تقدم من البحث في قبض الشمال باليمين ووضعهما على الصدر أو غيره قبل الركوع وبعده- كل ذلك من قبيل السنن، وليس من قبيل الواجبات عند أهل العلم، فلو أن أحدا صلى مرسلا ولم يقبض قبل الركوع أو بعده فصلاته صحيحة، وإنما ترك الأفضل في الصلاة، فلا ينبغي لأحد من المسلمين أن يتخذ من الخلاف في هذه المسألة وأشباهها وسيلة إلى النزاع والتهاجر والفرقة، فإن ذلك لا يجوز للمسلمين، حتى ولو قيل إن القبض واجب، كما اختاره الشوكاني في (النيل)، بل الواجب على الجميع بذلك الجهود في التعاون على البر والتقوى، وإيضاح الحق بدليله، والحرص على صفاء القلوب وسلامتها من الغل والحقد من بعضهم على بعض، كما أن الواجب الحذر من أسباب الفرقة والتهاجر؛ لأن الله سبحانه أوجب على المسلمين أن يعتصموا بحبله جميعا، وأن لا يتفرقوا، كما قال سبحانه: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران: 103]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله يرضى لكم ثلاثا ويسخط لكم ثلاثا فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم
وقد بلغني عن كثير من إخواني المسلمين في أفريقيا وغيرها أنه يقع بينهم شحناء كثيرة وتهاجر بسبب مسألة القبض والإرسال، ولا شك أن ذلك منكر لا يجوز وقوعه منهم، بل الواجب على الجميع التناصح والتفاهم في معرفة الحق بدليله مع بقاء المحبة والصفاء والأخوة الإيمانية، فقد كان أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم والعلماء بعدهم رحمهم الله يختلفون في المسائل الفرعية، ولا يوجب ذلك بينهم فرقة ولا تهاجرا؛ لأن هدف كل واحد منهم هو معرفة الحق بدليله، فمتى ظهر لهم اجتمعوا عليه، ومتى خفي على بعضهم لم يضلل أخاه، ولم يوجب له ذلك هجره ومقاطعته وعدم الصلاة خلفه.
فعلينا جميعا معشر المسلمين أن نتقي الله سبحانه، وأن نسير على طريقة السلف الصالح قبلنا في التمسك بالحق والدعوة إليه، والتناصح فيما بيننا، والحرص على معرفة الحق بدليله، مع بقاء المحبة والأخوة الإيمانية وعدم التقاطع والتهاجر من أجل مسألة فرعية قد يخفى فيها الدليل على بعضنا فيحمله اجتهاده على مخالفة أخيه في الحكم.
فنسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يزيدنا وسائر المسلمين هداية وتوفيقا، وأن يمنحنا جميعا الفقه في دينه والثبات عليه ونصرته والدعوة إليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه، ومن اهتدى بهداه وعظم سنته إلى يوم الدين.
سراج السنوسي
21-12-2004, 12:10 AM
كيفية الدخول في الصلاة
قال______ (إذا أراد الرجلُ الدخولَ في الصلاةِ كبّر ورفع يديه حذاءَ أُذُنِيْهِ) وظن بعض أصحابنا رحمهم الله أنه لم يذكر النية وليس كما ظنوا فإنَّ إرادة الدخول في الصلاة هي النية، والنية لا بد منها لقوله عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم». وقال عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات» والنية معرفة بالقلب أيّ صلاة يصلي.
وحكي عن الشافعي رحمه الله أنه قال مع هذا في الفرائض يحتاج إلى نية الفرض.
وهذا بعيدٌ فإنه إذا نوى الظهر فقد نوى الفرض، فالظهر لا يكون إلا فرضاً فإن كان منفرداً أو إماماً فحاجته إلى نية ماهية الصلاة، وإن كان مقتدياً احتاج مع ذلك إلى نية الاقتداء.
وإن نوى صلاة الإمام جاز عنهما.
وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله يحتاج إلى نية الكعبة أيضاً.
والصحيح أن استقباله إلى جهة الكعبة يفنيه عن نيتها.
والأفضل أن تكون نيته مقارنة للتكبير فإن نوى قبله حين توضأ ولم يشتغل بعده بعملٍ يقطع نيته جاز عندنا وهو محفوظ عن أبي يوسف ومحمد جميعاً ولا يجوز عند الشافعي رحمه لله قال الحاجة إلى النية ليكون عمله عن عزيمة وإخلاص وذلك عند الشروع فيها.
ونحن هكذا نقول ولكن يجوز تقديم النية ويجعل ما قدم من النية إذا لم يقطعه بعمل كالقائم عند الشروع حكماً كما في الصوم. وكان محمد بن سليمان البلخي يقول إذا كان عند الشروع بحيث لو سئل أيّ صلاة يصلى أمكنه أن يجيب على البديهة من غير تفكر فهو نية كاملة تامة، والتكلم بالنية لا معتبر به فإن فعله ليجتمع عزيمة قلبه فهو حسن.
وأما التكبير فلا بد منه للشروع في الصلاة إلا على قول أبي بكر الأصم وإسماعيل بن علية فإنهما يقولان يصير شارعاً بمجرد النية.
والأذكار عندهما كالتكبير، والقراء
ولنا قوله تعالى: {وذكر اسم ربه فصلى} (الأعلى: 15). أي ذكر اسم الله عند افتتاح الصلاة، وظاهر قوله تعالى: {وأقم الصلاة لذكري} (طه: 14). يبين أن المقصود ذكر الله تعالى على وجه التعظيم فيبعد أن يقال ما هو المقصود لا يكون واجباً وهذا المعنى فإن الصلاة تعظيم بجميع الأعضاء، وأشرف الأعضاء اللسان فلا بد من أن يتعلق به شيء من أركان الصلاة. وقال عليه الصلاة والسلام «وتحريمها التكبير» فدل أن بدونه لا يصير شارعاً، وتحريمه الصلاة تتناول اللسان، ألا ترى أن الكلام مفسد للصلاة ولو لم يتناوله التحريم لم يكن مفسداً كالنظر بالعين، ومبنى الصلاة على الأفعال دون الكف فكل ما يتناوله التحريم يتعلق به شيء من أركان الصلاة.
فأما رفع اليدين عند التكبير فهو سنة لأن النبي عليه الصلاة والسلام علَّم الأعرابي الصلاة ولم يذكر له رفع اليد، لأنه ذكر الواجبات وواظب على رفع اليد عند التكبير فدل أنه سنة. والمروي عن أبي يوسف رحمه الله أنه ينبغي أن يُقْرِنَ التكبير برفع اليدين والذي عليه أكثر مشايخنا أنه يرفع يديه أوّلاً فإذا استقرتا في موضع المحاذاة كبّر لأن في فعله وقوله معنى النفي والإثبات فإنه برفع اليد ينفي الكبرياء عن غير الله تعالى وبالتكبير يثبته لله تعالى فيكون النفي مقدماً على الإثبات كما في كلمة الشهادة.
ولا يتكلف للتفريق بين الأصابع عند رفع اليد والذي روي عن النبي «أنه كبر ناشراً أصابعه» معناه ناشراً عن طيها بأن لم يجعله مثنياً بضم الأصابع إلى الكف.
والمسنون عندنا أن يرفع يديه حتى يحاذي إبهاماه شحمتي أذنيه ورؤوس أصابعه فروع أذنيه وهو قول أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه.
وعند الشافعي رحمه الله المسنون أن يرفع يديه إلى منكبيه وهو قول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.
واحتج بحديث أبي حميد الساعدي رضي ا
والمعنى إن خلف الإمام أعمى وأصم فأمر بالجهر بالتكبير ليسمع الأعمى وبرفع اليدين ليُرِيَ الأصم فيعلم دخوله في الصلاة وهذا المقصود إنما يحصل إذا رفع يديه إلى أذنيه.
وكان طاوس رحمه الله يرفع يديه فوق رأسه.
ولا نأخذ بهذا لما روي «أن النبي رأى رجلاً قد شخص ببصره إلى السماء ورفع يديه فوق رأسه فقال له عليه الصلاة والسلام: غض بصرك فإنك لن تراه وكف يدك فإنك لن تناله».
ولا يطأطىء رأسه عند التكبير ذكره في كتاب الصلاة للحسن بن زياد رحمه الله وقال فيه التزاوج بين القدمين في القيام أفضل من أن ينصبهما نصباً.
ثم يقول سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك.
جاء عن الضحاك رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {وسبح بحمد ربك حين تقوم} (الطور: 48). أنه قول المصلي عند الافتتاح «سبحانك اللهم وبحمدك» وروي هذا الذكر عن رسول الله عمر وعليّ وعبدالله بن مسعود رضي الله عنهم أنه كان يقوله عند افتتاح الصلاة، ولم يذكر وجل ثناؤك لأنه لم ينقل في المشاهير.
وذكر محمد رحمه الله في كتاب الحج عن أهل المدينة ويقول المصلي أيضاً وجل ثناؤك.
وعن أبي يوسف في الأَمالي قال أحب إليَّ أن يزيد في الافتتاح وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لاشريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين لحديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما. «أن النبي كان يقول عند افتتاح الصلاة وجهت وجهي للذي فطرت السموات والأرض حنيفاً. إلى آخره» والشافعي رضي الله تعالى عنه يقول بهذا، ويزيد عليه أيضاً ما رواه علي رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال «اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرةً من عندك وتب عليّ أنك أنت التواب الرحيم»
والأمر فيه واسع فأما في الفرائض فإنه لا يزيد على ما اشتهر فيه الأثر.
ثم يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم في نفسه لما روي أن أبا الدرداء رضي الله تعالى عنه قامَ ليصليَ فقال له النبي «تعوذ بالله من شياطين الإنس والجن». والذين نقلوا صلاة رسول الله عليه الصلاة والسلام ذكروا تعوذه بعد الافتتاح قبل القراءة، ولأن من أراد قراءة القرآن ينبغي له أن يتعوذ لقوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} (النحل: 98) وأصحاب الظواهر أخذوا بظاهر الآية وقالوا نتعوذ بعد القراءة لأن الفاء للتعقيب، ولكن هذا ليس بصحيح لأن هذه الفاء عندنا للحال كما يقال إذا دخلت على السلطان فتأهب أي إذا أردت الدخول عليه فتأهب فكذا معنى الآية إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ.
بيانه في حديث الإفك أن النبي لما كشف الرداء عن وجهه فقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم} (النور: 11) الآيات. وبظاهر الآية قال عطاء الاستعاذة تجب عند قراءة القرآن في الصلاة وغيرها وهو مخالف لإجماع السلف فقد كانوا مجمعين على أنه سنة.
وبين القراء اختلاف في صفة التعوذ.
فاختيار أبي عمرو وعاصم وابن كثير رحمهم الله: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
زاد حفص من طريق هبيرة أعوذ بالله العظيم السميع العليم من الشيطان.
واختيار نافع وابن عامر والكسائي أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم.
واختيار حمزة الزيات أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وهو قول محمد بن سيرين وبكل ذلك ورد الأثر.
وإنما يتعوذ المصلي في نفسه إماماً كان أو منفرداً، لأن الجهر بالتعوذ لم ينقل عن رسول الله ولو كان يجهر به لنقل نقلاً مستفيضاً، والذي روي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه جهر بالتعوذ تأويله أنه كان وقع اتفاقاً لو التعوذ عند افتتاح الصلاة خاصة إلا على قول ابن سيرين رحمه الله فإنه يقول يتعوذ في كل ركعة كما يقرأ.
وهذا فاسد، فإن الصلاَة واحدةٌ فكما لا يؤتي لها إلا بتحريمه واحدةٍ فكذا التعوذ والله أعلم.
(قال) ولا يرفع يديه في شيء من تكبيرات الصلاة سوى تكبيرة الافتتاح وقال الشافعي يرفع يديه عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع.
ومن الناس من يقول وعند السجود وعند رفع الرأس منه يرفع اليدين أيضاً قالوا قد صحح أن النبي «كان يرفع يديه عند كل تكبيرة» فمن ادعى النسخ فعليه إثباته.
وفي المسئلة حكاية فإنّ الأوزاعّي لقي أبا حنيفة رحمهم الله في المسجد الحرام فقال: ما بالُ أهل العراق لا يرفعون أيديهم عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع؟ وقد حدثني الزهري عن سالم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهم أن النبي كان يرفع يديه عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع فقال: أبو حنيفة رحمه الله تعالى حدثني حماد عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي كان يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام ثم لا يعود فقال الأوزاعي عجباً من أبي حنيفة أحدثه بحديث الزهري عن سالم وهو يحدثني بحديث حماد عن إبراهيم عن علقمة ـ فرجح حديثه بعلو إسناده ـ فقال أبو حنيفة أما حماد فكان أفقه من الزهري وأما إبراهيم فكان أفقه من سالم ولولا سبق ابن عمر رضي الله عنه لقلت بأن علقمة أفقه منه. وأما عبدالله فرجح حديثه بفقه رواته وهو المذهب لأن الترجيح بفقه الرواة لا بعلو الإسناد.
فـالشافعي اعتمد حديث ابن عمر رضي الله عنه وقال تكبير الركوع يؤتى به حالة القيام فيسنّ رفع اليد عنده كتكبيرة الافتتاح ألا ترى أنه محسوب من تكبيرات العيد ورفع اليد مسنون في تكبيرات العبد فكذا هذا.
ولنا أن الآثار لما اختلفت في فعل رسول الله يتحاكم إلى قوله، وهووفي رواية «قارّوا في الصلاة» والمعنى فيه أن هذا التكبيرة يؤتي به في حال الانتقال فلا يسن رفع اليد عنده كتكبيرة السجود، وفقهه ما بينا أن المقصود من رفع اليد إعلام الأصم الذي خلفه وهذا إنما يحتاج إليه في التكبيرات التي يؤتي بها في حالة الاستواء كالتكبيرات الزوائد في العيدين وتكبير القنوت ولا حاجة إليه فيما يؤتي به في حالة الانتقال فإن الأصم يراه ينحط للركوع فلا حاجة إلى الاستدلال برفع اليد (قال) ثم يفتتح القراءة ويخفى بسم الله الرحمن الرحيم فقد أدخل التسمية في القراءة بهذا اللفظ وهذا إشارة إلى أنها من القرآن.
وكان مالك رحمه الله تعالى يقول لا يأتي المصلي بالتسمية لا سراً ولا جهراً.
لحديث عائشة رضي الله عنها «أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يفتتح القراءة بالحمد لله رب العالمين».
ولنا حديث أنس قال: صليت خلف رسول الله وخلف أبي بكر وعمر فكانوا يفتتحون القرآن ببسم الله الرحمن الرحيم.
وتأويل حديث عائشة رضي الله عنها أنه كان يخفي التسمية وهو مذهبنا وهو قول عليّ وابن مسعود.
وقال الشافعي رحمه الله: يجهر بها الإمام في صلاة الجهر وهو قول ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهما.
وعن عمر فيه روايتان.
واحتج بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه «أن النبي كان يجهر بالتسمية» ولما صلى معاوية بالمدينة ولم يجهر بالتسمية أنكروا عليه وقالوا أسرقت من الصلاة أين التسمية، فدل أن الجهر بها كان معروفاً عندهم.
ولنا حديث عبدالله بن المغفل رضي الله تعالى عنه إنه سمع ابنه يجهر بالتسمية في الصلاة فنهاه عن ذلك فقال: «يا بني إياك والحدث في الإسلام فإني صليت خلف رسول الله وخلف أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فكانوا لا يجهرون بالتسمية». وهكذا روى عن أنس رضي الله تعالى عنه.
والمسألة في الحقيقة تنبنى على أن التسمية والشافعي رحمه الله ربما احتج بحديث أبي الجوزاء عن عائشة رضي الله عنها. «أنه قرأ الفاتحة فقال بسم الله الرحمن الرحيم وعدها آية ثم قال الحمد لله رب العالمين وعدها آية» ولأنها مكتوبة في المصاحف بقلم الوحي لمبدأ الفاتحة وكل سورة وقد أمرنا بتجريد القرآن في المصاحف من النقط والتعاشير ولا خلاف أن الفاتحة سبع آيات ولا تكون سبع آيات إلا بالتسمية وقول من يقول إياك نعبد وإياك نستعين آية ضعيف تشهد المقاطع بخلافه.
ولنا حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي قال: يقول الله تعالى: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين يقول الله تعالى حمدني عبدي وإذا قال الرحمن الرحيم قال الله تعالى مجدني عبدي وإذا قال مالك يوم الدين قال الله تعالى أثنى عليّ عبدي وإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين قال الله تعالى هذا بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل». فالبداءة بقوله الحمد لله رب العالمين دليل على أن التسمية ليست بآية من أول الفاتحة إذْ لو كانت آية من أول الفاتحة لم تتحقق المناصفة فإنه يكون في النصف الأول أربع آيات إلا نصفاً وقد نص على المناصفة والسلف اتفقوا على أن سورة الكوثر ثلاث آيات وهي ثلاث آيات بدون التسمية ولأن أدنى درجات اختلاف الأخبار والعلماء إيراث الشبهة والقرآن لا يثبت مع الشبهة فإن طريقه طريق اليقين والإحاطة.
(وعن) معلى قال قلت لمحمد التسمية آية من القرآن أم لا؟ قال ما بين الدفتين كله قرآن قلت: فلم لم تجهر فلم يجبنى. فهذا عن محمد بيان أنها آية أنزلت للفصل بين السور لا من أوائل السور ولهذا كتبت بخط على حدة وهو اختيار أبي بكر الرازي رحمه الله حتى قال محمد رحمه الله يكره للحائض والجنب قراءة التسمية على وجه قراءة القرآن لأن من ضرورة كونها قرآناً حرمة قراءتها على ا إذا كان يُخفي القراءة يأتي بالتسمية بين السورة والفاتحة لأنه أقرب إلى متابعة المصحف وإذا كان يجهرُ لا يأتي بين السورة والفاتحة لأنه لو فعل لأخفى بها فيكون ذلك سكتة له في وسط القراءة ولم ينقل ذلك مأثوراً.
ثم قال: (ويجهر الإمام في صلاة الجهر ويخافت في صلاة المخافتة) وهي الظهر والعصر وكان ابن عباس رضي الله عنه يقول لا قراءة في هاتين الصلاتين لظاهر قوله عليه الصلاة والسلام «صلاة النهار عجماء». أي ليس فيها قراءة.
والدليل على فساد هذا القول قوله عليه الصلاة والسلام «لا صلاة إلا بقراءة». وقيل لخباب بن الأرت رضي الله تعالى عنه بم عرفتم قراءة رسول الله في صلاة الظهر والعصر؟ قال «باضطراب لحيته» وقال أبو قتادة رضي الله عنه «كان رسول الله يسمعنا الآية والآيتين في صلاة الظهر أحياناً». وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه «سجد رسول الله في صلاة الظهر فظننا أنه قرأ الم تنزيل السجدة» وقد كان النبي في الابتداء يجهر بالقرآن في الصلاة كلِّها وكان المشركون يؤذونه ويسبّون من أنزل ومن أنزل عليه فأنزل الله تعالى {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً} (الإسراء: 110) فكان يخافت بعد ذلك في صلاة الظهر والعصر لأنهم كانوا مستعدين للأذي في هذين الوقتين ويجهر في صلاة المغرب لأنهم كانوا مشغولين بالأكل وفي صلاة العشاء والفجر لأنهم كانوا نياماً، ولهذا جهر في الجمعة والعيدين لأنه أقامها بالمدينة وما كان للكفار بها قوة الأذي. وقد صح رجوع ابن عباس رضي الله عنه عن هذا القول فإن رجلاً سأله أأقرأ خلف إمامي؟ فقال أمّا في الظهر والعصر فنعم وتأويل قوله عجماء أي ليس فيها قراءة مسموعة ونحن نقول به.
وحد القراءة في هاتين الصلاتين أن يصحح الحروف بلسانه على وجه يسمع من نفسه أو يسمع منه من قرب أذنه من فيه فأما ومرّ النبي بأبي بكر وهو يتهجد ويخفي بالقراءة وبعمر وهو يجهر بالقراءة وببلال وهو ينتقل من سورة إلى سورة فلما أصبحوا سأل كلَّ واحدٍ منهم عن حاله فقال أبو بكر رضي الله عنه: كنت أسمع من أناجيه، وقال عمر رضي الله عنه: كنت أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان، وقال بلال رضي الله عنه: كنت أنتقل من بستان إلى بستان. فقال لأبي بكر: ارفع من صوتك قليلاً، ولعمر: اخفض من صوتك قليلاً، ولبلال: إذا ابتدأت سورة فأتمها وكان ابن ليلى رحمه الله يقول يتخير الإمام في التسمية بين الجهر والمخافتة وهذا مذهبه في كل ما اختلف فيه الأثر كرفع اليد عند الركوع وتكبيرات العيد ونحوها يستدل بما روى عن النبي قال: «من استجمر فليوتر من فعل هذا فقد أحسن ومن لا فلا حرج» وهذا ضعيف فإن آخر الفعلين يكون ناسخاً لأولهما والقول بالتخيير بين الناسخ والمنسوخ عملاً لا يجوز.
قال (والقراءة في الركعتين الأوليين يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة وفي الأخيرتين بفاتحة الكتاب) وإن تركها جاز والمذهب عندنا أن فرض القراءة في الركعتين من كل صلاة.
وكان الحسن البصري يقول في ركعة واحدة.
وكان مالك يقول في ثلاث ركعات.
والشافعي رضي الله تعالى عنه يقول في كل ركعة.
واستدل الحسن البصري بقوله عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة إلا بقراءةٍ» وهذا يقتضى فرضية القراءة لا تكرارها فان الكل صلاة واحدة.
وهذا ضعيف فإنه لم ينقل عن النبي الاكتفاء بالقراءة في ركعة واحدة في شيء من الصلوات ولو جاز ذلك لفعله مرة تعليماً للجواز وقد سمى الله تعالى الفاتحة مثاني لأنها تثني في كل صلاة أي تقرأ مرتين.
والشافعي رضي الله عنه احتج فقال أجمعنا على فرضية القراءة في كل ركعة من التطوع والفرض أقوى من التطوع فثبتت الفرضية في كل ركعة من الفرض بطريق الأولى ولأن كل ركعة تشتمل على أرك وعثمان رضي الله تعالى عنه ترك القراءة في الأوليين من صلاة العشاء فقضاها في الأخيرتين وجهر. وعن علي وابن مسعود رضي الله عنهما أنهما كان في الأخيرتين يسبحان وسأل رجل عائشة رضي الله تعالى عنها عن قراءة الفاتحة في الأخيرتين فقالت اقرأ ليكون على جهة الثناء وكفى بإجماعهم حجة. قال: (ثم القراءة في الأخيرتين ذكر يخافت بها في كل حال) فلا تكون ركناً كثناءِ الافتتاح، وتأثيره أن مبنى الأركان على الشهرة والظهور ولو كانت القراءة في الأخيرتين ركناً لما خالف الأوُلَيَيْنِ في الصفة كسائر الأركان وكل شفع من التطوّع صلاة على حدة بخلاف الفرض حتى إن فساد الشفع الثاني في التطوع لا يوجب فساد الشفع الأول.
وروي الحسن عن أبي حنيفة أن الأفضل له أن يقرأ الفاتحة في الأخيرتين وإن ترك ذلك عامداً كان مسيئاً وإن كان ساهياً فعليه سجود السهو.
وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه يتخير بين قراءة الفاتحة والتسبيح والسكوت ولا يلزمه سجود السهو بترك القراءة فيهما ساهياً وهو الأصح، فسجود السهو يجب بترك الواجبات أو السنن المضافة إلى جميع الصلاة.
ووجه رواية الحسن أنه إذا سكت قائماً كان سامداً متحيراً وتفسير السامد المعرض عن القراءة فقد كره ذلك رسول الله لأصحابه فقال: «مالي أراكم سامدين». قال: (ثم قراءة الفاتحة لا تتعين ركنا في الصلاة عندنا) وقال الشافعي رحمه الله تعالى تتعين حتى لو ترك حرفاً منها في ركعة لا تجوز صلاته واستدل بقول النبي «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» وبمواظبة النبي على قراءتها في كل ركعة.
ولنا قوله تعالى: {فاقرؤا ما تيسر من القرآن} (المزمل: 20) فتعيين الفاتحة يكون زيادة على هذا النص وهو يعدل النسخ عندنا فلا يثبت بخبر الواحد ثم المقصود التعظيم باللسان وذلك لا يختلف بقراءة الفاتحة وغيرها.
والخ
«لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وسورة معها أو قال وشيء معها» ونحن نوجب العمل بهذا الخبر حتى لا نأذن بالاكتفاء بالفاتحة في الأوليين ولكن لا نثبت الركنية به للأَصل الذي قلنا.
قال: (وإذا أراد أن يركع كبر) لما روي أن النبي «كان يكبر حين يهوي إلى الركوع». ومن الناس من يقول لا يكبر عند الركوع ولا عند السجود وهو قول ابن عمر وأصحابه ويروون عن عثمان رضي الله تعالى عنه أنه كان لا يتم التكبير، فأما عمر وعليٌّ وابن مسعود رضوان الله عليهم فكانوا يكبرون عند الركوع والسجود حتى روي أن علياً رضي الله عنه صلى بأصحابه يوماً فقام أبو سعيد الخدري رضي الله عنه وقال: «ذكّرني هذا الفتى صلاة رسول الله كان يكبر في كل خفض ورفع. أو قال عند كل خفض ورفع». وتأويل حديث عثمان رضي الله عنه كان لا يتم التكبير أي جهراً أي يخافت بآخر التكبير كما هو عادة بعض الأئمة.
قال: (ووضع يديه على ركبتيه) وهو قول عامة الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.
وكان ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وأصحابه يقولون بالتطبيق. وصورته أن يضم إحدى الكفين إلى الأخرى ويرسلهما بين فخذيه.
ورأى سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه ابنا له يطبق فنهاه فقال رأيت عبدالله بن مسعود يفعل هكذا فقال رحم الله ابن أم عبد «كنا أُمرنا بهذا ثم نُهينا عنه». وفي حديث الأعرابي حين علمه النبي الصلاة قال: «ثم اركع وضع يديك على ركبتيك». وهكذا في حديث أنس رضي الله عنه.
قال: (وفرج بين أصابعه) ولا يندب إلى التفريق بين الأصابع في شيء من أحوال الصلاة إلا هذا ليكون أمكن من الأخذ بالركبة فإن عمر رضي الله تعالى عنه قال يا معشر الناس أُمرنا بالركب فخذوا بالركب.
قال (وبسط ظهره) لحديث أبي هريرة رضي الله عنه وعائشة رضي الله تعالى عنها «أن النبي كان إذا ركع بسط ظهره حتى لو وضع على ظهر وكذلك قال في السجود وعند رفع الرأس وهكذا في حديث أنس رضي الله تعالى عنه حين علمه الصلاة قال ثم اركع حتى يستقر كل عضو منك ثم قال في آخر الحديث فإنها من سنتي ومن تبع سنتي فقد تبعني ومن تبعني كان معي في الجنة.
ثم (يقول سمع الله لمن حمده ويقول من خلفه ربنا لك الحمد) ولم يقلها الإمام في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ويقولها في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله.
لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها «أن النبي كان إذا رفع رأسه من الركوع قال سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد».
وعن علي رضي الله عنه قال: ثلاث يخفيهن الإمام.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: أربع يخفيهن الإمام وفي جملته ربنا لك الحمد، ولأنا لا نجد شيئاً من أذكار الصلاة يأتي به المقتدي دون الإمام فقد يختص الإمام ببعض الأذكار كالقراءة.
ولأبي حنيفة رحمه الله قول النبي «وإذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا لك الحمد». فقسم هذين الذكرين بين الإمام والمقتدي ومطلق القسمة يقتضي أن لا يشارك كل واحد منهما صاحبه في قسمه ولأن المقتدي يقول ربنا لك الحمد عند قول الإمام سمع الله لمن حمده فلو قال الإمام ذلك لكانت مقالته بعد مقالة المقتدي وهذا خلاف موضوع الإمامة.
وتأويل الحديث المرفوع في التهجد حالة الانفراد وبه نقول فأما المنفرد على قولهما فيجمع بين الذكرين.
وعن أبي حنيفة فيه روايتان:
في رواية الحسن هكذا.
اللهم اعنا على طاعتك.
مشكور سراج