مشاهدة النسخة كاملة : فقه أحاديث وآثار الركوع دون الصف - الشيخ الألباني -


ابا هشام
29-04-2008, 11:11 AM
عن عطاء أنه سمع ابن الزبير على المنبر يقول :

" إذا دخل أحدكم المسجد و الناس ركوع , فليركع , حين يدخل ثم يدب راكعا حتى يدخل في الصف , فإن ذلك السنة " .

قال عطاء : و قد رأيته يصنع ذلك , قال ابن جريج و قد رأيت عطاء يصنع ذلك .
...
و مما يشهد لصحته عمل الصحابة به من بعد النبي صلى الله عليه وسلم , منهم أبو بكر الصديق ، و زيد بن ثابت ، و عبد الله بن مسعود .

1 - روى البيهقي ( 2 / 90 ) عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، أن أبا بكر الصديق و زيد بن ثابت دخلا المسجد و الإمام راكع ، فركعا ، ثم دنيا و هما راكعان حتى لحقا بالصف .

قلت : و رجاله ثقات ، و لولا أن مكحولا قد عنعنه عن أبي بكر بن الحارث لحسنته ، ولكنه عن زيد بن ثابت صحيح كما يأتي .

2 - عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنه رأى زيد بن ثابت دخل المسجد و الإمام راكع فمشى حتى أمكنه أن يصل الصف و هو راكع كبر فركع ثم دب و هو راكع حتى وصل الصف .

رواه البيهقي ( 2 / 90 ، 3 / 106 ) و سنده صحيح .

3 - عن زيد بن وهب قال :" خرجت مع عبد الله - يعني ابن مسعود - من داره إلى المسجد ، فلما توسطنا المسجد ركع الإمام ، فكبر عبد الله و ركع ، و ركعت معه ، ثم مشينا راكعين حتى انتهينا إلى الصف حين رفع القوم رؤوسهم ، فلما قضى الإمام الصلاة قمت و أنا أرى أني لم أدرك ، فأخذ عبد الله بيدي و أجلسني ثم قال : إنك قد أدركت " .

أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " ( 1 / 99 / 1 - 2 ) و الطحاوي في " شرح المعاني " ( 1 / 231 - 232 ) و الطبراني في " المعجم الكبير " ( 3 / 32 /1 ) و البيهقي في " سننه " ( 2 / 90 - 91 ) بسند صحيح ، وله عند الطبراني طرق أخرى .

وهذه الآثار تدل على شيء آخر غير ما دل الحديث عليه .

و هو أن من أدرك الركوع مع الإمام فقد أدرك الركعة ، وقد ثبت ذلك من قول ابن مسعود و ابن عمر بإسنادين صحيحين عنهما ، و قد خرجتهما في " إرواء الغليل " ( رقم 119 ) و فيه حديث حسن مرفوع عن أبي هريرة خرجته هناك .

و أما ما رواه البخاري في " جزء القراءة " ( ص 24 ) عن معقل بن مالك قال : حدثنا أبو عوانة عن محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة قال :
" إذا أدركت القوم ركوعا لم تعتد بتلك الركعة " .
فإنه مع مخالفته لتلك الآثار ضعيف الإسناد , من أجل معقل هذا ،
فإنه لم يوثقه غير ابن حبان : و قال الأزدي : متروك ، ثم إن فيه عنعنة ابن إسحاق و هو مدلس : فسكوت الحافظ عليه في " التلخيص " ( 127 ) غير جيد .
نعم رواه البخاري من طريق أخرى عن ابن إسحاق قال : حدثني الأعرج به لكنه بلفظ :
" لا يجزئك إلا أن تدرك الإمام قائما " .

و هذا إسناد حسن ، و هذا لا يخالف الآثار المتقدمة بل يوافقها في الظاهر إلا أنه يشترط إدراك الإمام قائما ، و هذا من عند أبي هريرة ، و لا نرى له وجها ، و الذين خالفوه أفقه منه و أكثر , و رضي الله عنهم جميعا .

فإن قيل : هناك حديث آخر صحيح يخالف بظاهره هذا الحديث و هو :
" زادك الله حرصا ، و لا تعد " .
...
رواه أبو داود و الطحاوي و أحمد و البيهقي و ابن حزم من حديث أبي بكرة أنه جاء و رسول الله صلى الله عليه وسلم راكع ، فركع دون الصف ، ثم مشى إلى الصف ، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته ، قال : أيكم الذي ركع دون الصف ثم مشى إلى الصف ؟
فقال أبو بكرة : أنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فذكره .

قلت : و إسناده صحيح على شرط مسلم , و أصله في " صحيح البخاري " و قد خرجته في " إرواء الغليل " ( رقم 684 ، 685 ) .

و القصد من ذكره هنا أن ظاهره يدل على أنه لا يجوز الركوع دون الصف ثم المشي إليه ، على خلاف ما دل عليه الحديث السابق ، فكيف التوفيق بينهما ؟ فأقول :

إن هذا الحديث لا يدل على ما ذكر ، إلا بطريق الاستنباط لا النص ، فإن قوله صلى الله عليه وسلم : " لا تعد " يحتمل أنه نهاه عن كل ما ثبت أنه في هذه الحادثة ، وقد تبين لنا بعد التتبع أنها تتضمن ثلاثة أمور :

الأول : اعتداده بالركعة التي إنما أدرك منها ركوعها فقط .

الثاني : إسراعه في المشي ، كما في رواية لأحمد ( 5 / 42 ) من طريق أخرى عن أبي بكرة أنه جاء و النبي صلى الله عليه وسلم راكع ، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم صوت نعل أبي بكرة و هو يحضر ( أي يعدو ) يريد أن يدرك الركعة ، فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم قال : من الساعي ؟ قال أبو بكرة : أنا . قال : فذكره

و إسناده حسن في المتابعات ، و قد رواه ابن السكن في " صحيحه " نحوه و فيه قوله : " انطلقت أسعى ... " و أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من الساعي ...‎" و يشهد لهذه الرواية رواية الطحاوي من الطريق الأولى بلفظ .
" جئت و رسول الله صلى الله عليه وسلم راكع ، و قد حفزني النفس فركعت دون الصف ..." الحديث . و إسناده صحيح ، فإن قوله " حفزني النفس " معناه اشتد ، من الحفز و هو الحث و الإعجال ، و ذلك كناية عن العدو .

الثالث : ركوعه دون الصف ثم مشيه إليه .

و إذا تبين لنا ما سبق ، فهل قوله صلى الله عليه وسلم : " لا تعد " نهي عن هذه الأمور الثلاثة جميعها أم عن بعضها ؟

ذلك ما أريد البحث فيه و تحقيق الكلام عليه فأقول :

أما الأمر الأول :
فالظاهر أنه لا يدخل في النهي ، لأنه لو كان نهاه عنه لأمره بإعادة الصلاة لكونها خداجا ناقصة الركعة ، فإذ لم يأمره بذلك دل على صحتها ، و على عدم شمول النهي الاعتداد بالركعة بإدراك ركوعها ، و قول الصنعاني في " سبل السلام " ( 2 / 23 ) :

" لعله صلى الله عليه وسلم لم يأمره لأنه كان جاهلا للحكم ، و الجهل عذر " .

فبعيد جدا ، إذ قد ثبت في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة أمره صلى الله عليه وسلم للمسيء صلاته بإعادتها ثلاث مرات مع أنه كان جاهلا أيضا فكيف يأمره بالإعادة و هو لم يفوت ركعة من صلاته و إنما الاطمئنان فيها ، و لا يأمر أبا بكرة بإعادة الصلاة و قد فوت على نفسه ركعة ، لو كانت لا تدرك بالركوع ، ثم كيف يعقل أن يكون ذلك منهيا و قد فعله كبار الصحابة ، كما تقدم في الحديث الذي قبله ؟ !

فلذلك فإننا نقطع أن هذا الأمر الأول لا يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم " لا تعد " .

و أما الأمر الثاني :
فلا نشك في دخوله في النهي لما سبق ذكره من الروايات و لأنه لا معارض له ، بل هناك ما يشهد له ، و هو حديث أبي هريرة مرفوعا :
" إذا أتيم الصلاة فلا تأتوها و أنتم تسعون ، واتوها وعليكم السكينة والوقار " الحديث متفق عليه .

و أما الأمر الثالث :
فهو موضع نظر و تأمل ، و ذلك لأن ظاهر رواية أبي داود هذه :" أيكم الذي ركع دون الصف ، ثم مشى إلى الصف ، مع قوله له :" لا تعد " ، يدل بإطلاقه على أنه قد يشمل هذا الأمر ، و إن كان ليس نصا في ذلك لاحتمال أنه يعني شيئا آخر غير هذا مما فعل ، و ليس يعني نهيه عن كل ما فعل ، بدليل أنه لم يعن الأمر الأول كما سبق تقريره . فكذلك يحتمل أنه لم يعن هذا الأمر الثالث أيضا .

و هذا و إن كان خلاف الظاهر ، فإن العلماء كثيرا ما يضطرون لترك ما دل عليه ظاهر النص لمخالفته لنص آخر هو في دلالته نص قاطع ، مثل ترك مفهوم النص لمنطوق نص آخر، و ترك العام للخاص ، و نحو ذلك ، و أنا أرى أن ما نحن فيه الآن من هذا القبيل ، فإن ظاهر هذا الحديث من حيث شموله للركوع دون الصف مخالف لخصوص ما دل عليه حديث عبد الله بن الزبير دلالة صريحة قاطعة ، وإذا كان الأمر كذلك فلابد حينئذ من ترجيح أحد الدليلين على الآخر ، و لا يشك عالم أن النص الصريح أرجح عند التعارض من دلالة ظاهر نص ما ، لأن هذا دلالته على وجه الاحتمال بخلاف الذي قبله ، و قد ذكروا في وجوه الترجيح بين الأحاديث أن يكون الحكم الذي تضمنه أحد الحديثين منطوقا به و ما تضمنه الحديث الآخر يكون محتملا .

و مما لا شك فيه أيضا أن دلالة هذا الحديث في هذه المسألة ليست قاطعة بل محتملة ، بخلاف دلالة حديث ابن الزبير المتقدم فإن دلالته عليها قاطعة ، فكان ذلك من أسباب ترجيحه على هذا الحديث .

و ثمة أسباب أخرى تؤكد الترجيح المذكور :

أولا : خطبة ابن الزبير بحديثه على المنبر في أكبر جمع يخطب عليهم في المسجد الحرام و إعلانه عليه أن ذلك من السنة دون أن يعارضه أحد .

ثانيا : عمل كبار الصحابة به كأبي بكر و ابن مسعود و زيد بن ثابت كما تقدم وغيرهم .

فذلك من المرجحات المعروفة في علم الأصول . بخلاف هذا الحديث فإننا لا نعلم أن أحدا من الصحابة قال بما دل عليه ظاهره في هذه المسألة ، فكان ذلك كله دليلا قويا على أن دلالته فيها مرجوحة ، و أن حديث ابن الزبير هو الراجح في الدلالة عليها . و الله أعلم .

و قد قال الصنعاني بعد قول ابن جريج في عقب هذا الحديث :
" و قد رأيت عطاء يصنع ذلك " .

قال الصنعاني ( 2 / 24 ) :
" قلت : و كأنه مبني على أن لفظ " و لا تعد " بضم المثناة الفوقية ، من الإعادة أي زادك الله حرصا على طلب الخير و لا تعد صلاتك فإنها صحيحة و روي بسكون العين المهملة من العدو ، و تؤيده رواية ابن السكن من حديث أبي بكرة ( ثم ساقها ، وقد سبق نحوها من رواية أحمد مع الإشارة إلى رواية ابن السكن هذه ، ثم قال ) :

" والأقرب أن رواية ( لا تعد ) من العود أي لا تعد ساعيا إلى الدخول قبل وصولك الصف ، فإنه ليس في الكلام ما يشير بفساد صلاته حتى يفتيه صلى الله عليه وسلم بأن لا يعيدها ، بل قوله " زادك الله حرصا " يشعر بإجزائها ، أو " لا تعد " من ( العدو ) " .

قلت : لو صح هذا اللفظ لكانت دلالة الحديث حينئذ خاصة في النهي عن الإسراع ولما دخل فيه الركوع خارج الصف‎ ، و لم يوجد بالتالي أي تعارض بينه و بين حديث ابن الزبير ، و لكن الظاهر أن هذا اللفظ لم يثبت ، فقد وقع في " صحيح البخاري " و غيره باللفظ المشهور : " لا تعد " .

قال الحافظ في " الفتح " ( 2 / 214 ) :
" ضبطناه في جميع الروايات بفتح أوله و ضم العين من العود " .

ثم ذكر هذا اللفظ ، و لكنه رجح ما في البخاري فراجعه إن شئت .

و يتلخص مما تقدم

أن هذا النهي لا يشمل الاعتداد بالركعة و لا الركوع دون الصف وإنما هو خاص بالإسراع لمنافاته للسكينة و الوقار كما تقدم التصريح بذلك من حديث أبي هريرة ، و بهذا فسره الإمام الشافعي رحمه الله تعالى :

" قوله : لا تعد . يشبه قوله : لا تأتوا الصلاة تسعون " .
ذكره البيهقي في " سننه " ( 2 / 90 ) .

فإن قيل : قد ورد ما يؤيد شمول الحديث للإسراع و يخالف حديث ابن الزبير صراحة و هو حديث أبي هريرة مرفوعا .

" إذا أتى أحدكم الصلاة فلا يركع دون الصف حتى يأخذ مكانه من الصف " .

قلنا : لكنه حديث معلول بعلة خفية ، و ليس هذا مكان بيانها ،
فراجع " سلسلة الأحاديث الضعيفة " ( رقم 981 ) .

" السلسلة الصحيحة " 1 / 401 وما بعدها

- رحم الله الإمام الألباني

منقول من شبكة سحاب السلفية أصلحها رب البرية

m.libya
29-04-2008, 11:27 AM
وفقنا الله للتمسك بالكتاب والسنة

ابا هشام
29-04-2008, 11:35 AM
m.libya
وفقنا الله للتمسك بالكتاب والسن


امين ...

السلف الصالح
29-04-2008, 08:51 PM
بارك الله فيك على مانقلت




ولله الحمد والمنة

ابا هشام
30-04-2008, 04:00 PM
السلف الصالح
الحمد لله تعالى على نعمه

--------------------------------------------------------------------------------

بارك الله فيك على مانقلت


وفيكم بارك الله أخي الكريم