mustafa hamed salah
14-07-2003, 09:43 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تعريف التطير: واللغة: مصدر تطير، وأصله مأخوذ من الطير، لأ، العرب يتشاءمون أو يتفاءلون بالطيور على الطريقة المعروفة عندهم بزجر الطير، ثم ينظر: هل يذهب يميناً أو شمالاً أو ما أشبه ذلك، فإن ذب إلى الجهة التي فيها التيامن، أقدم، أو فيها التشاؤم، أحجم. أما في الاصطلاح، فهي التشاؤم بمرئي أو مسموع، وهذا من الأمور النادرة، لأن الغالب أن اللغة أوسع من الاصطلاح، لأن الاصطلاح يدخل على الألفاظ قيوداً تخصصها، مثل الصلاة لغة: الدعاء، وفي الاصطلاح أخص من الدعاء، وكذلك الزكاة وغيرها. وإن شئت، فقل: التطير: هو التشاؤم بمرئي، أو مسموع، أو معلوم. بمرئي مثل: لو رأى طيراً فتشاءم لكونه موحشاً. أو مسموع مثل: من هم بأمر فسمع أحداً يقول لآخر: يا خسران، أو يا خائب، فيتشاءم. أو معلوم، كالتشاؤم ببعض الأيام أو بعض الشهور أو بعض الشهور أو بعض السنوات، فهذه لا ترى ولا تسمع. واعلم أن التطير ينافي التوحيد، ووجه منافاته له من وجهين: الأول: أن المتطير قطع توكله على الله واعتمد على غير الله. الثاني: أنه تعلق بأمر لا حقيقة له، بل هو وهم وتخييل، فأي رابطة بين هذا الأمر، وبين ما يحصل له، وهذا لا شك أنه يخل بالتوحيد، لأن التوحيد عبادة واستعانة، قال تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين) [الفاتحة: 4]، وقال تعالى: (فاعبده وتوكل عليه) [هود: 123]. فالطيرة محرمة، وهي منافية للتوحيد كما سبق، والمتطير لا يخلو من حالين: الأول: أن يحجم ويستجيب لهذه الطيرة ويدع العمل، وهذا من أعظم التطير والتشاؤم. الثاني: أن يمضي لكن في قلق وهم وغم يخشى من تأثير هذا المتطير به، وهذا أهون. وكلا الأمرين نقص في التوحيد وضرر على العبيد، بل انطلق إلى ما تريد بانشراح صدر وتيسير واعتماد على الله ـ عز وجل ـ، ولا تسيء الظن بالله ـ عز وجل ـ.
* * *
وقول الله تعالى: (ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون) [الأعراف: 131]. وقد ذكر المؤلف رحمه الله في هذا الباب آيتين: * الآية الأولى قوله تعالى: (ألا إنما طائرهم عند الله). هذه الآية نزلت في قوم موسى كما حكى الله عنهم في قوله: (وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه) [الأعراف: 131]، قال الله تعالى: (ألا إنما طائرهم عند الله)، ومعنى: (يطيروا بموسى ومن معه): أنه إذا جاءهم البلاء والجدب والقحط قالوا: هذا من موسى وأصحابه، فأبطل الله هذه العقيدة بقوله: (ألا إنما طائرهم عند الله). قوله: (ألا إنما طائرهم عند الله). (ألا): أداة استفتاح تفيد التنبيه والتوكيد، و(إنما): أداة حصر. وقوله: (طائر) مبتدأ، و(عند الله) خبر، والمعنى: أن ما يصيبهم من الجدب والقحط ليس من موسى قومه، ولكنه من الله، فهو الذي قدره ولا علاقة لموسى وقومه به، بل إن الأمر يقتضي أن موسى وقومه سبب للبركة والخير، ولكن هؤلاء ـ والعياذ بالله ـ يلبسون على العوام ويوهمون الناس خلاف الواقع. قوله: (ولكن أكثرهم لا يعلمون). فهم في جهل، فلا يعلمون أن هناك إلهاً مدبراً، وأن ما أصابهم من الله وليس من موسى وقومه.
* * *
وقوله: (قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون) [يس: 19]. * الآية الثانية قوله تعالى: (قالوا طائركم معكم). أي: قال الذين أرسلوا إلى القرية في قوله تعلى: (وأضرب لهم مثلاً أصحاب القرية...) الآيات [يس: 13]. فقالوا ذلك رداً على قول أهل القرية: (إنا تطيرنا بكم) [يس: 18]، أي: تشاءمنا بكم، وإننا لا نرى أنكم تدلوننا على الخير، بل على الشر وما فيه هلاكنا، فأجابهم الرسل بقولهم: (طائركم معكم)، أي: مصاحب لكم، فما يحصل لكم، فإنه منكم ومن أعمالكم، فأنتم السبب في ذلك. ولا منافاة بين هذه الآية والتي ذكرها المؤلف قبلها، لأن الأولى تدل على أن المقدر لها الشيء هو الله، والثانية تبين سببه، وهو أنه منهم، فهم في الحقيقة طائرهم معهم )أي الشؤم الحاصل عليهم معهم ملازم لهم، لأن أعمالهم تستلزمه، كما قال تعالى: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس) [الروم: 41]، وقال تعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون) [الأعراف: 96]. ويستفاد من الآيتين المذكروتين في الباب: أن التطير كان معروفاً من قبل العرب وفي غير العرب، لأن الأولى في فرعون وقومه، والثانية في أصحاب القرية. وقوله: (أإن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون). ينبغي أن تقف على قوله: (ذكرتم)، لأنها جملة شرطية، وجواب الشرط محذوف تقديره: أإن ذكرتم تطيرتم، وعلى هذا، فلا تصلها بما بعدها. وقوله: (بل أنتم قوم مسرفون)، (بل) هنا للإضراب الإبطالي، أي: ما أصابكم ليس منهم، بل هو من إسرافكم. وقوله: (مسرفون). أي: متجاوزون للحد الذي يجب أن تكونوا عليه.
* * *
عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر". أخرجاه(1)، وزاد مسلم(2): "ولا نوء، ولا غول". قوله صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى". "لا" نافية للجنس، ونفي الجنس أعم من نفي الواحد والاثنين والثلاثة، لأنه نفي للجنس كله، فنفى الرسول صلى الله عليه وسلم العدوى كلها. والعدوى: انتقال المرض من المريض إلى الصحيح، وكما يكون في الأمراض الحسية يكون أيضاً في الأمراض المعنوية الخلقية، ولهذا أخبر صلى الله عليه وسلم أن جليس السوء كنافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه رائحة كريهة(3). فقوله: "لا عدوى" يشمل الحسية والمعنوية، وإن كانت في الحسية أظهر. قوله: "ولا طيرة". اسم مصدر تطير، لأن المصدر منه تطير، مثل الخيرة اسم مصدر اختار، قال تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) [الأحزاب: 36]، أي: الاختيار، أي يختاروا خلاف ما قضى الله ورسوله من الأمر. واسم المصدر يوافق المصدر في المعنى، ولذلك تقول كلمته كلاماً بمعنى كلمته تكليماً، وسلمت عليه سلاماً بمعنى سلمت عليه تسليماً. لكن لما كان يخالف المصدر في البناء سموه اسم مصدر، والطيرة تقدم أنها هي التشاؤم بمرئي أو مسموع أو معلوم(4). قوله: "ولا هامة". الهامة، بتخفيف الميم فسرت بتفسيرين: الأول: أنها طير معروف يشبه البومة، أو هي البومة، تزعم العرب أنه إذا قتل القتيل، صارت عظامه هامة تطير وتصرخ حتى يؤخذ بثأره، وربما اعتقد بعضهم أنها روحه. التفسير الثاني: أن بعض العرب يقولون: الهامة هي الطير المعروف، لكنهم يتشاءمون بها، فإذا وقعت على بيت أحدهم ونعقت، قال: إنها تنعق به ليموت، ويعتقدون أن هذا دليل قرب أجله، وهذا كله ـ بلا شك ـ عقيدة باطلة. قوله: "ولا صفر". قيل: إنه شهر صفر، كانت العرب يتشاءمون به ولا سيما في النكاح. وقيل: إنه داء في البطن يصيب الإبل وينتقل من بعير إلى آخر، وعلى هذا، فيكون عطفه على العدوى من باب عطف الخاص على العام. وقيل: إنه نهي عن النسيئة، وكانوا في الجاهلية ينسئون، فإذا أرادوا القتال في شهر المحرم استحلوه، وأخروا الحرمة إلى شهر صفر، وهذه النسيئة التي ذكرها الله بقوله تعالى: (فيحلوا ما حرم الله) [التوبة: 37]، وهذا القول ضعيف، ويضعفه أن الحديث في سياق التطير، وليس في سياق التغيير، والأقرب أن صفر يعني الشهر، وأن المراد نفي كونه مشؤوماً، أي: لا شؤم فيه، وهو كغيره من الأزمان يقدر فيه الخير ويقدر فيه الشر. وهذا النفي في هذه الأمور الأربعة ليسس نفياً للوجود، لأنها موجودة، ولكنه نفي للتأثير، فالمؤثر هو الله، فما كان منها سبباً معلوماً، فهو سبب صحيح، وما كان منها سبباً موهوماً، فهو سبب باطل، ويكون نفياً لتأثيره بنفسه إن كان صحيحاً، ولكونه سبباً إن كان باطلاً. فقوله: "لا عدوى": العدوى موجودة، ويدل لوجودها قوله صلى الله عليه وسلم:
--------------------------------------------------------------------------------
القول المفيد - المجلد الاول : باب ما جاء في التطير - 1 فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين
والسلام ختام
تعريف التطير: واللغة: مصدر تطير، وأصله مأخوذ من الطير، لأ، العرب يتشاءمون أو يتفاءلون بالطيور على الطريقة المعروفة عندهم بزجر الطير، ثم ينظر: هل يذهب يميناً أو شمالاً أو ما أشبه ذلك، فإن ذب إلى الجهة التي فيها التيامن، أقدم، أو فيها التشاؤم، أحجم. أما في الاصطلاح، فهي التشاؤم بمرئي أو مسموع، وهذا من الأمور النادرة، لأن الغالب أن اللغة أوسع من الاصطلاح، لأن الاصطلاح يدخل على الألفاظ قيوداً تخصصها، مثل الصلاة لغة: الدعاء، وفي الاصطلاح أخص من الدعاء، وكذلك الزكاة وغيرها. وإن شئت، فقل: التطير: هو التشاؤم بمرئي، أو مسموع، أو معلوم. بمرئي مثل: لو رأى طيراً فتشاءم لكونه موحشاً. أو مسموع مثل: من هم بأمر فسمع أحداً يقول لآخر: يا خسران، أو يا خائب، فيتشاءم. أو معلوم، كالتشاؤم ببعض الأيام أو بعض الشهور أو بعض الشهور أو بعض السنوات، فهذه لا ترى ولا تسمع. واعلم أن التطير ينافي التوحيد، ووجه منافاته له من وجهين: الأول: أن المتطير قطع توكله على الله واعتمد على غير الله. الثاني: أنه تعلق بأمر لا حقيقة له، بل هو وهم وتخييل، فأي رابطة بين هذا الأمر، وبين ما يحصل له، وهذا لا شك أنه يخل بالتوحيد، لأن التوحيد عبادة واستعانة، قال تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين) [الفاتحة: 4]، وقال تعالى: (فاعبده وتوكل عليه) [هود: 123]. فالطيرة محرمة، وهي منافية للتوحيد كما سبق، والمتطير لا يخلو من حالين: الأول: أن يحجم ويستجيب لهذه الطيرة ويدع العمل، وهذا من أعظم التطير والتشاؤم. الثاني: أن يمضي لكن في قلق وهم وغم يخشى من تأثير هذا المتطير به، وهذا أهون. وكلا الأمرين نقص في التوحيد وضرر على العبيد، بل انطلق إلى ما تريد بانشراح صدر وتيسير واعتماد على الله ـ عز وجل ـ، ولا تسيء الظن بالله ـ عز وجل ـ.
* * *
وقول الله تعالى: (ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون) [الأعراف: 131]. وقد ذكر المؤلف رحمه الله في هذا الباب آيتين: * الآية الأولى قوله تعالى: (ألا إنما طائرهم عند الله). هذه الآية نزلت في قوم موسى كما حكى الله عنهم في قوله: (وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه) [الأعراف: 131]، قال الله تعالى: (ألا إنما طائرهم عند الله)، ومعنى: (يطيروا بموسى ومن معه): أنه إذا جاءهم البلاء والجدب والقحط قالوا: هذا من موسى وأصحابه، فأبطل الله هذه العقيدة بقوله: (ألا إنما طائرهم عند الله). قوله: (ألا إنما طائرهم عند الله). (ألا): أداة استفتاح تفيد التنبيه والتوكيد، و(إنما): أداة حصر. وقوله: (طائر) مبتدأ، و(عند الله) خبر، والمعنى: أن ما يصيبهم من الجدب والقحط ليس من موسى قومه، ولكنه من الله، فهو الذي قدره ولا علاقة لموسى وقومه به، بل إن الأمر يقتضي أن موسى وقومه سبب للبركة والخير، ولكن هؤلاء ـ والعياذ بالله ـ يلبسون على العوام ويوهمون الناس خلاف الواقع. قوله: (ولكن أكثرهم لا يعلمون). فهم في جهل، فلا يعلمون أن هناك إلهاً مدبراً، وأن ما أصابهم من الله وليس من موسى وقومه.
* * *
وقوله: (قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون) [يس: 19]. * الآية الثانية قوله تعالى: (قالوا طائركم معكم). أي: قال الذين أرسلوا إلى القرية في قوله تعلى: (وأضرب لهم مثلاً أصحاب القرية...) الآيات [يس: 13]. فقالوا ذلك رداً على قول أهل القرية: (إنا تطيرنا بكم) [يس: 18]، أي: تشاءمنا بكم، وإننا لا نرى أنكم تدلوننا على الخير، بل على الشر وما فيه هلاكنا، فأجابهم الرسل بقولهم: (طائركم معكم)، أي: مصاحب لكم، فما يحصل لكم، فإنه منكم ومن أعمالكم، فأنتم السبب في ذلك. ولا منافاة بين هذه الآية والتي ذكرها المؤلف قبلها، لأن الأولى تدل على أن المقدر لها الشيء هو الله، والثانية تبين سببه، وهو أنه منهم، فهم في الحقيقة طائرهم معهم )أي الشؤم الحاصل عليهم معهم ملازم لهم، لأن أعمالهم تستلزمه، كما قال تعالى: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس) [الروم: 41]، وقال تعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون) [الأعراف: 96]. ويستفاد من الآيتين المذكروتين في الباب: أن التطير كان معروفاً من قبل العرب وفي غير العرب، لأن الأولى في فرعون وقومه، والثانية في أصحاب القرية. وقوله: (أإن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون). ينبغي أن تقف على قوله: (ذكرتم)، لأنها جملة شرطية، وجواب الشرط محذوف تقديره: أإن ذكرتم تطيرتم، وعلى هذا، فلا تصلها بما بعدها. وقوله: (بل أنتم قوم مسرفون)، (بل) هنا للإضراب الإبطالي، أي: ما أصابكم ليس منهم، بل هو من إسرافكم. وقوله: (مسرفون). أي: متجاوزون للحد الذي يجب أن تكونوا عليه.
* * *
عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر". أخرجاه(1)، وزاد مسلم(2): "ولا نوء، ولا غول". قوله صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى". "لا" نافية للجنس، ونفي الجنس أعم من نفي الواحد والاثنين والثلاثة، لأنه نفي للجنس كله، فنفى الرسول صلى الله عليه وسلم العدوى كلها. والعدوى: انتقال المرض من المريض إلى الصحيح، وكما يكون في الأمراض الحسية يكون أيضاً في الأمراض المعنوية الخلقية، ولهذا أخبر صلى الله عليه وسلم أن جليس السوء كنافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه رائحة كريهة(3). فقوله: "لا عدوى" يشمل الحسية والمعنوية، وإن كانت في الحسية أظهر. قوله: "ولا طيرة". اسم مصدر تطير، لأن المصدر منه تطير، مثل الخيرة اسم مصدر اختار، قال تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) [الأحزاب: 36]، أي: الاختيار، أي يختاروا خلاف ما قضى الله ورسوله من الأمر. واسم المصدر يوافق المصدر في المعنى، ولذلك تقول كلمته كلاماً بمعنى كلمته تكليماً، وسلمت عليه سلاماً بمعنى سلمت عليه تسليماً. لكن لما كان يخالف المصدر في البناء سموه اسم مصدر، والطيرة تقدم أنها هي التشاؤم بمرئي أو مسموع أو معلوم(4). قوله: "ولا هامة". الهامة، بتخفيف الميم فسرت بتفسيرين: الأول: أنها طير معروف يشبه البومة، أو هي البومة، تزعم العرب أنه إذا قتل القتيل، صارت عظامه هامة تطير وتصرخ حتى يؤخذ بثأره، وربما اعتقد بعضهم أنها روحه. التفسير الثاني: أن بعض العرب يقولون: الهامة هي الطير المعروف، لكنهم يتشاءمون بها، فإذا وقعت على بيت أحدهم ونعقت، قال: إنها تنعق به ليموت، ويعتقدون أن هذا دليل قرب أجله، وهذا كله ـ بلا شك ـ عقيدة باطلة. قوله: "ولا صفر". قيل: إنه شهر صفر، كانت العرب يتشاءمون به ولا سيما في النكاح. وقيل: إنه داء في البطن يصيب الإبل وينتقل من بعير إلى آخر، وعلى هذا، فيكون عطفه على العدوى من باب عطف الخاص على العام. وقيل: إنه نهي عن النسيئة، وكانوا في الجاهلية ينسئون، فإذا أرادوا القتال في شهر المحرم استحلوه، وأخروا الحرمة إلى شهر صفر، وهذه النسيئة التي ذكرها الله بقوله تعالى: (فيحلوا ما حرم الله) [التوبة: 37]، وهذا القول ضعيف، ويضعفه أن الحديث في سياق التطير، وليس في سياق التغيير، والأقرب أن صفر يعني الشهر، وأن المراد نفي كونه مشؤوماً، أي: لا شؤم فيه، وهو كغيره من الأزمان يقدر فيه الخير ويقدر فيه الشر. وهذا النفي في هذه الأمور الأربعة ليسس نفياً للوجود، لأنها موجودة، ولكنه نفي للتأثير، فالمؤثر هو الله، فما كان منها سبباً معلوماً، فهو سبب صحيح، وما كان منها سبباً موهوماً، فهو سبب باطل، ويكون نفياً لتأثيره بنفسه إن كان صحيحاً، ولكونه سبباً إن كان باطلاً. فقوله: "لا عدوى": العدوى موجودة، ويدل لوجودها قوله صلى الله عليه وسلم:
--------------------------------------------------------------------------------
القول المفيد - المجلد الاول : باب ما جاء في التطير - 1 فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين
والسلام ختام