مشاهدة النسخة كاملة : المثقفون ودور النشر من أسباب العزف عن القراءة


الخطير
05-10-2003, 02:43 PM
تبقى أزمة القراءة من أهم الأزمات التي استعصى علاجها إذ هي سبب أو مسبب للأزمة الكبرى لتراجع هذه الأمة وأزعم أن طرح هذه الأزمة لايزال نمطياً أشبه بالوعض في شتى الوسائل الإعلامية وقد أقامت إدارة التعليم في الرياض ندوة تلمست الجديد في تناول هذا الفن وكان من بين المشاركين الدكتور صالح النصّار أستاذ المناهج وتدريس اللغة العربية المساعد في كلية التربية - جامعة الملك سعود.
التقت (ثقافة اليوم) الدكتور صالح في مكاشفة أحسب أنها تماست مع جوانب غير تقليدية حيث تناولنا معه أزمة الإعلام والقراء ومحاكمة المثقفين ودور النشر والأسباب الأخرى المُشكّلة هذه الأزمة وكذا الرواية ودورها في النهضة القرائية ومدى استحضارنا لعامل صراع اللغات في تأليف مناهجنا اللغوية.
هل يقع في تصورك أن ما طرح حول فن القراءة إعلامياً لا يعدو أن يكون نمطياً لم يستغل بعد على حداثة التناول؟
- إن الإعلام لم يلتفت بعد إلى القراءة بوصفها اهتماماً قبل أن يلتفت إليها بوصفها فناً له أصوله وقواعده وأسسه التي تميزه عن أي فن آخر. إن ما يطرح في الإعلام حول القراءة لا يعدو أن يكون أخباراً يشار إليها إشارة عابرة كما يشار إلى الأخبار الأخرى التي تملأ صفحات الجرائد، أو مقالات متفرقة هنا وهناك تعكس اهتمام كاتبيها ولا تعكس اهتمام الصفحات التي تنشر فيها.
- إن اهتمام الإعلام بنشر الوعي القرائي، وتوجيه اهتمامات الناس وميولهم نحو القراءة له مردود كبير على الإعلام نفسه، المقروء بالدرجة الأولى، وعلى نضج تعامل الجمهور مع الإعلام المسموع والمرئي بالدرجة الثانية. فالقراءة تثقف، وتوجه، وتعالج، وتفتح آفاقاً واسعة نحو المعرفة بشتى صنوفها، وهذا لاشك سيكون له مردود على تعامل الجمهور مع الإعلام الذي يشتكي كثيراً من سطحية ثقافة الجمهور والمتلقين، وبالتالي سطحية التأثير والتأثر التي تقولب الإعلام العربي، وتحد من توصيل رسالته على الوجه المطلوب.
القراءة قضية من؟
هي قضية الجميع، بدءاً من الأسرة التي تتحمل مسؤولية رعاية الميول وتنمية الاتجاهات نحو القراءة منذ الصغر، مروراً بالمدرسة التي تتولى مسؤولية تعليم القراءة، وتعزيز حبها في نفوس الناشئة، ثم المجتمع بجميع مؤسساته التي تتحمل مسؤولية تشجيع القراءة وتيسير الحصول على مصادرها، وانتهاءً بأعلى سلطة في الدولة، ومسؤوليتها في رعاية برامج ومشروعات القراءة بوصفها عاملاً مهماً من عوامل رقي الوطن، ورفعته، وعلو شأنه في أوساط الأمم الأخرى.
ما مدى عناية التعليم بالقراءة؟
- تعليم القراءة، إضافة إلى الكتابة والحساب، هو حجر الزاوية في أي تعليم. ومشكلة القراءة لدينا ليست في تعليمها، فجميع الأطفال ينتقلون إلى الصف الثاني الابتدائي ولديهم الحد الأدنى من المهارات التي تعنى بكيفية القراءة. إن مشكلة القراءة في التعليم هي في التربية على القراءة، في الدعوة للقراءة، في تنمية الميول والاتجاهات نحو القراءة، وفي تخريج أطفال لا يعرفون كيف يقرأون فقط، بل يقرأون أيضاً، ويحبون القراءة، ويدركون أهميتها وفائدتها ومظاهر الامتاع فيها. وإلا مافائدة أن نعلم أطفالنا كيف يقرأون، ثم لايقرأون إلا عند الحاجة، وتقدم الأمم مرهون بمدى قراءة أفرادها، وقد سأل فولتير مرة: من يقود الأمم؟ قال: الذين يقرأون ويكتبون، ولم يقل: الذين يعرفون القراءة أو الكتابة، والتاريخ والواقع يشهدان بذلك.
ما الجديد في معالجة العزوف المرضي عن القراءة؟
- لا أحد ينكر أن أمة القراءة تمر بأزمة قراءة، وهذه الأزمة - للأسف - تزامنت مع أزمات أخرى ذات علاقة مثل أزمة الثقافة وأزمة الهوية، وأزمة التربية، ومظاهر هذه الأزمة واضحة للعيان، فمتوسط الكتب الصادرة في العالم العربي:
1- ربع مليون شخص، في حين أنها 15/1ألف شخص في الدول الغربية، ومجموع ما يستهلكه العالم العربي من الورق أقل من استهلاك إحدى دور النشر الفرنسية. نعم هناك عزوف عن القراءة، وهناك عوامل كثيرة تشترك في تغذية هذا العزوف واستمراره. ومن هذه العوامل الأسرة، والمدرسة، والإعلام، ودور النشر، والمؤلفون، والمثقفون، والتربويون. لذا، فمن المنطق أن تشترك هذه الجهات كلها في معالجة ذلك العزوف، وليس جهة واحدة أو جهتين فقط. إننا إذا كنا نؤمن بأهمية القراءة، فلم لا نضع خطة وطنية استراتيجية شاملة وطويلة المدى لتوجيه ناشئة الأمة وشبابها وكهولها نحو القراءة. ولن نشعر بطعم النجاح، ونجني ثمرته حتى نشهد تقلص نسبة الذين لا يقرأون ولا يحبون القراءة إلى أدنى مستوى ممكن.
مقولة (إن زمننا زمن الرواية وليس الشعر) كيف تضع هذه المقولة في سياق تناولنا لأزمة القراءة عربياً وعالمياً؟
- من منظور الدعوة إلى القراءة - وليس من منظور المقارنة بين النثر والشعر - فإن الرواية قد أدت دوراً مهماً - ولاتزال - في جذب غير القراء إلى القراءة، وفي زيادة تعلق القراء بالقراءة. والتربويون يعلقون آمالاً كبيرة على القصص في توجيه الأطفال نحو القراءة والميل لها، وهي إضافة إلى ذلك أسلوب ناجح يحقق كثيراً من الأهداف التعليمية والتربوية والترفيهية. وحين يكبر الأطفال تكبر معهم القصة لتصبح الرواية للكبار شيئاً محبباً يضفي كثيراً من المتعة والراحة والسرور. ولاشك أن هناك روايات عالمية استأثرت باهتمام الكثير من الصغار والكبار وجعلت منهم قراء دائمين، ولن أعدد تلك الروايات لكني أذكر منها على سبيل المثال روايات شكسبير، وفيكتور هوجو، وأجاثا كرستي، وغيرها. ولايزال الصغار والكبار في العالم يترقبون نزول الروايات العالمية للأسواق، وما انتظار كثير من الأطفال في أمريكا وأوروبا لنزول رواية هاري بوتر "الساحر وحجر الحكيم" - حتى إن بعض الأطفال قد انتظر فتح المكتبات الكبيرة منذ الصباح الباكر خشية نفود العدد - إلا دليلٌ على استمرار الرواية في جذب اهتمام الصغار والكبار نحو القراءة، وتقضية أوقات ماتعة معها. ومكتبات المطارات ومحطات النقل
وسكك الحديد (في الغرب طبعاً) مليئة بالروايات المختلفة التي تملأ فراغ المسافرين والمنتظرين، وتشبع نهمهم في القراءة.
عرف أبرز المجلات العربية والعالمية الحديثة المعنية بالوعي القرائي، وكذلك الجمعيات العالمية التي تنتمي لها عضواً؟
- لم يصل مستوى القراءة والوعي القرائي في الدول المتقدمة إلى ما وصل إليه إلا لما شغلت اهتمام الجميع. وقد ترجم هذا الاهتمام في مظاهر عدة أبرزها إنشاء الجمعيات العلمية المتخصصة في القراءة والتي من أبرز أهدافها نشر الوعي القرائي في أوساط الناس، وتنظيم الأنشطة والبرامج والمحاضرات والندوات التي تخدم تلك الأهداف. وهذه الجمعيات العلمية لا يقتصر نشاطها على فئة المثقفين والأكاديميين فقط - كما هو الحال في الجمعيات العلمية لدينا - بل يمتد إلى فئات الشعب المختلفة خصوصاً الأطفال، والآباء والأمهات، والمعلمين، والمهنيين في جميع التخصصات، في الطب والهندسة والعلوم والتقنية وغيرها، فالقراءة ليست حكراً على فئة دون أخرى، بل هي هم الجميع، وفن الجميع، ومطلب الجميع. ومن أشهر الجمعيات في هذا المجال، والتي أنتسب لها عضواً "جمعية القراءة العالمية"، وهي جمعية أمريكية الأصل والمنشأ لكن لها فروعاً كثيرة في بلدان العالم المختلفة. وهذه الجمعية تصدر عدداً من الكتب الموجهة والعلمية المتخصصة كل سنة، وتقيم عدداً من المعارض والمناشط العامة، فضلاً عن المؤتمر السنوي الذي يحضره أكثر من عشرين ألفاً من الآباء والمعلمين والخبراء والأكاديميين.
وقد كان لجمهورية مصر العربية قصب السبق في افتتاح فرع لتلك الجمعية حملت اسم "الجمعية المصرية للقراءة والمعرفة" وهذه الجمعية بدأت نشاطاتها العلمية منذ ثلاث سنوات تقريباً، وتقيم مؤتمراً سنوياً أيضاً لكنه مقصور على الباحثين الذين يقدمون بحوثاً وأوراق عمل متخصصة في مجال القراءة. وقد كان لي شرف العضوية والمشاركة في مؤتمرات هذه الجمعية السنوية بالبحوث وأوراق العمل المتخصصة في مجال القراءة. هذا فيما يتعلق بالجمعيات المتخصصة في القراءة علماً وفناً وهواية، أما الجمعيات الأخرى غير المتخصصة فتحظى فيها القراءة بعناية كبيرة، مثل ""جمعية معلمي اللغة الانجليزية" و"جمعية الإشراف التربوي والمناهج" وكلاهما في الولايات المتحدة أيضاً، وهناك جمعيات أخرى مبثوثة في العالم يضيق المجال بذكرها. وعلى كل، فإني آمل أن يكون للقراءة في بلد {أقرأ باسم ربك الذي خلق} هنا في المملكة العربية السعودية، أن يكون لها جمعية علمية خاصة، تعنى بشؤون القراءة في شتى المجالات، وعلى جميع المستويات، وحرص حكومة خادم الحرمين الشريفين على نشر القراءة والوعي القرائي في أوساط المجتمع من جهة، وتيسير إقامة الجمعيات المختلفة من جهة أخرى، يشجعنا على الدعوة على إنشاء
جمعية سعودية للقراءة، أو افتتاح فرع للجمعية العالمية للقراءة.
بوصفك أحد المشتغلين في دائرة مناهج اللغة العربية.. هل نحن بالفعل قادرون على استحضار عامل صراع وعولمة اللغات في مناهجنا؟
- اللغات كالأجساد تضعف وتقوى، وبعضها يموت. وقوة اللغات أو ضعفها مرهون بقوة الأمم التي تتحدث بها وضعفها. وللأسف فإننا نشهد ضعفاً في الأمة العربية صاحبه ضعف في نواحي كثيرة من أهمها اللغة العربية. والضعف الذي نتحدث عنه هنا يتعلق بضعف القدرة على المنافسة في سباق اللغات العالمي في مضمار العلم والتقنية والثقافة وغيرها، وليس ضعف اللغة نفسها. إننا نشهد - وللأسف - تأخر استخدام اللغة العربية في التواصل العالمي القائم على الأجهزة والحاسبات والتقنيات الحديثة، في حين أن لغات أخرى تتبوأ مكانة متقدمة في هذا المضمار، والمتحدثون بها يزدادون يوماً بعد يوم. ولكي تأخذ اللغة العربية مكانها اللائق بها في مضمار سباق اللغات العالمي فإنها يجب أولاً أن تأخذ مكانها اللائق بها في نفوس أبنائها والمتحدثين بها، وأن تحظى بدرجة عالية من اهتمام المسؤولين والتربويين والإعلاميين، وأن يتطور المتحدثون بها فكرياً وعلمياً، عندئذ سيكون لها شأن بإذن الله، وستأخذ مكانها في القيادة والريادة.
كتاب "جناية سيبويه" آخر ما صدر في نقد أو جرح تدريس قواعد اللغة.. ما مدى رضاك عن معالجته للظواهر المنهجية؟
- الضعف في اللغة العربية يزداد بين المتحدثين بها يوماً بعد يوم، والمشكلة تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم. وقد أقر بذلك الضعف المجتمعون في ندوة "ظاهرة الضعف اللغوي في المرحلة الجامعية" التي عقدت في جامعة الإمام عام 1418ه، ودعوا في توصياتهم إلى اتخاذ خطوات عملية وحاسمة لمعالجة هذا الضعف قبل أن يستفحل وينتشر. إن عدداً كبيراً من أبنائنا يتخرجون من المرحلة الجامعية (وقد يصبح بعضهم معلماً للغة العربية) وهم لا يتحدثون بشكل جيد، ولا يقرأون بشكل جيد، ولا يكتبون بشكل جيد، ولا يتواصلون مع الآخرين بشكل جيد. وأسباب ذلك الضعف كثيرة، لكن من المهتمين من توقف كثيراً عند مشكلة النحو أو القواعد العربية، كونها القالب الذي يضبط صحة الكلام والكتابة. وكتاب "جناية سيبويه" لمؤلفه زكريا أوزان آخر ما طلعت عليه من الكتب التي تقف عند مشكلة النحو العربي، وتتأمل في أسبابها، وتستكشف مدى تعقدها ومنطقيتها وصحتها، وتضرب الأمثلة على ذلك، ولأنني لست متخصصاً في النحو "ولا طليعاً فيه"، فإنني لن أعطي حكماً عن الكتاب وصحة ما جاء فيه، لكنني أظن أن مؤلفه قد رمى بحجر في بقعة ماء راكدة، وقد يزول أثر هذا الحجر بعد حين، أو يتطور ليصبح موجاً عاتياً يجعل المتخص
صين يلتفتون إلى الأفكار المطروحة حول منطقية القواعد النحوية، وإمكانية التعديل والتغيير فيها. وعلى كل، فإن المتخصصين في النحو العربي، والمتخصصين في المناهج وطرق تدريس القواعد العربية مدعوون ليقفوا صفاً واحداً أمام ظاهرة الضعف التي تعصف بأبنائنا ويحاولون ايجاد الحلول المناسبة لتلك المشكلة ومن ثمَّ تفعيلها ومتابعة تطبيقها والعاقبة ستكون حميدة بإذن الله